ذ: محمد بادرة
حاول البحث الاثنوغرافي والميداني الخاص بالثقافة الأمازيغية التركيز على الموروث الشفوي من أساطير وحكايات وطقوس ومعتقدات شعبية لاستجلاء بعض العناصر من أوجه الثقافة الأمازيغية وبعض ملامح التصور الأمازيغي للكون والوجود والحياة والإنسان ورؤيته للنظام الاجتماعي وعلاقة الرجل بالمرأة ومكانة المرأة في المجتمع.
ومن التصورات الميثولوجية الأكثر انتشارا في المناطق الأمازيغية بشمال افريقيا تلك المرتبطة بطقوس الزواج والمعروفة ب(تاغنجا) أو (تسليت اونزار) أي (عروس المطر) وتعد من أقدم الشعائر الاستسقائية في المجتمع الأمازيغي وتهدف الى استمطار السماء حين تكون الأرض مهددة بالجفاف وشح المياه، ويكون طقس (تاغنجا) على شكل موكب تشارك فيه النساء والأطفال ويرددون الأناشيد والأدعية ويطوفون عبر وحول الدواوير والقرى والأضرحة، ويرى الباحث الكولونيالي اميل لاوست E-Laoust أن هذه الطقوس الزراعية المرتبطة بالماء والخصوبة والمقترنة بالتجدد والبعث يرمز اليها عبر معتقدات وطقوس شعبية تحفل بالكثير من الرموز والدلالات (طقوس تاغنجا) ويشاركه في نفس الرأي هنري باسى H-Basset و رونيه باسى R-Basset وغيرهما من الاثنوغرافيين الكولونياليين الذين يعتقدون أن هذه الطقوس الزراعية والممارسات السحرية تنشأ عن زواج تسليت/الأرض و أنزار/ السماء، وينجم عن هذا الزواج “الكوني” خصب واخضرار بما يعني أن هطول الأمطار انما تنجم عن زواج تسليت أونزار (عروس المطر)- المرأة التي ترمز للأرض والتي يخصبها مطر السماء-.
ومن الأشعار والأغاني التي تتخلل احتفال أو طقوس الاحتفال في (تسليت اونزار) ما تردده نساء الاطلس الصغير:
بلغنجا وا نومن س- ربي (بلغنجا اننا مؤمنون بالله)
ولّلي ءيزدارن ءا داغ ءيغيت (هو القادر أن يغيثنا)
ءوت ءا يكنا – س – يان ءيديل ءونزار (أرسل علينا غيمة من السماء)
وا تغلا ءار تسبعي (النعاج تثغي )
وا تتثريت رزمد ءي وامان ميمنين ياغ فاد ءيمولا
وتزخر هذه الأهازيج والأغاني الشعرية بالكثير من الرموز والدلالات المرتبطة بالمطر والخصوبة ويأتي قوس قزح في هذه الأشعار ليجسد بألوانه المتعددة ثوب العروس.
في بعض المناطق السوسية يوجد اعتقاد خرافي عن أصل المطر ورد في عدد من الأساطير ويفيد أن الأمازيغ ومن شدة احترامهم للمرأة يعتقدون أنه كلما ماتت امرأة تلبس الطبيعة لباس الحداد وتبكي على فراقها بكثرة الدموع (كثرة المطرة ) ومن الأقوال المتواترة بين الناس حول الظاهرة (ءاد ءور توصّوت ءيكيكيل ف- ءيمطاون) – (لا توصي اليتيم بالدموع) – لأن وضعه الاجتماعي يجعله دائم البكاء، وفي نواحي طاطا هناك حكاية مشهورة تعزي المطر الى الدموع التي تذرفها السماء تأثرا ببكاء الأرامل على فقد ازواجهن وبالتالي فهطول المطر ينقل الأرض من الجفاف الى الخصوبة ومن الموت الى الحياة.(دراسات في الفكر الميتي الامازيغي) ص9-15
المخيلة الشعبية المغربية كثيرا ما اعتمدت على أسطرة mythification الحوادث الاجتماعية والتاريخية ولذا فان الوعي التاريخي لا يحركه العقل فقط بل هو نسيج تتشابك فيه خيوط الواقع مع المتخيل الأسطوري ومن الشخوص الاجتماعية التي تناولتها الأسطورة الأمازيغية وترسخت في لا وعينا الثقافي المرأة ومكانتها داخل الفضاء الثقافي والاجتماعي المحلي ونسجتها الأسطورة على أنها ملاك أرضي – أم البشرية – أو مصدر الخصب والحياة – .. وتعترف الأساطير الأمازيغية القديمة بذكاء المرأة وقوتها وسلطتها في العهد الميتي لكنه مع أفول الزمن الأسطوري توارت سلطة المرأة ودخلت في متاهات الفوضى والانحطاط والانفعال والأهواء والعاطفة فاختل النظام الاجتماعي والكوني أمام سلطة وقوة الثقافة البطريركية – الذكورية والتي شكلت فيه المرأة هامشا خاضعا لهيمنة الرجل.
كان الأمازيغ في العهد الأول كما تشير الكثير من الدراسات الاثنولسنية والتاريخية مجتمعا أموميا Matrilinéaire يقدر المرأة ويعترف لها بمكانتها الاعتبارية في المجتمع المحلي وهو ما لاحظه مارسي G . Marsais في احدى مقالاته والتي أكد فيها أنه لا تزال بقايا ورواسب القرابة الأمومية في طقوس ما بعد ميلاد الطفل، ونعثر في الألفاظ المستعملة لتعيين الأبناء على اثار هذا النسب الأمومي وهكذا فان الاخوة هم أبناء الأم (أيتما aytma) والأخوات ينتسبن الى الأم (ايستما – تيستماتين taytmatin tissetmatin/) ويسمى الأخ (كما) وتعني أخي من أمي وتسمى الأخت (ألتما) وتعني أختي من امي. وتسمى النساء في بعض المناطق الأمازيغية (تيسدنانtisednan ) وهي تسمية تعني اللبؤات وفي ذلك تكريم وتشريف لهن، وتسمى المرأة في سوس والريف ب(تمغارت) وهو مؤنث (أمغار) رئيس القبيلة. (دراسات في الفكر الميتي الأمازيغي). و(تمغارت) هي تسمية تطلق من باب التكريم والتشريف للمرأة لما لها من شأن وسلطان في مجتمعها وبيئتها شأنها شأن (أمغار) الذي يطلق على كبير ورئيس القوم.
استنتاجا لما سبق نجد أن رواسب العهد الأموسي القديم مازالت حاضرة وقابعة في علاقاتنا وعاداتنا وموشومة في لا وعينا الجماعي، فالمرأة هي الحارسة الأمينة على القيم الثقافية التي أتاحتها وظيفتها الاجتماعية داخل وخارج البيت وهي الحامية للقيم والممتلكات الرمزية حتى في الفترة التي هيمنت فيها الثقافة الذكورية.
وعندما جاء الاسلام حافظت المرأة الأمازيغية على دورها الاعتباري داخل الأسرة والقبيلة والجماعة كما حافظت على نمط حياتها وعاداتها وتقاليدها التي لا تتعارض مع الشريعة الاسلامية، وفي العديد من المؤلفات التاريخية القديمة من قبيل تحفة النظار لابن بطوطة أو كتاب المغرب للبكري أو العبر لابن خلدون أو نزهة المشتاق للإدريسي تسرد الكثير من صفحات هذه المؤلفات المكانة الاعتبارية للمرأة الأمازيغية في تلك الحقبة الاسلامية الأولى وأدوارها القوية في مجالات عدة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تفوق في بعضها مكانة الرجل وسلطته ويمكن أن نقرأ عن ابن بطوطة قولا طريفا أشار فيه عن اندهاشه للمكانة التي حظيت بها المرأة الأمازيغية في عصره وفي العصور السابقة وهي تتبوأ مكانة هامة وسط أفراد القبيلة والأسرة وأشار في كتابه تحفة النظار أن نساء ( مسوفة– قبيلة صنهاجية – يتصفن بجمالهن الفائق وشأنهن أعظم من شأن الرجال..) وفي اعتقاده تبرز قوة المجتمع الأمازيغي في الحرية التي تتمتع بها المرأة المسوفية حيث لا وجود لسلطة قاهرة تمنع نساء القبيلة من مشاركة الرجل في كل المعارك والمسؤوليات، ورغم اختلاطهن بالرجال الا أنهن حسب قوله (محافظات على العرف وعلى القوانين القبلية ومواظبات على الصلوات..)- تحفة النظار في عجائب الامصار- ابن بطوطة. وتألقت المرأة الأمازيغية في مجال الثقافة والأدب ونالت نصيبا وافرا من العلم لا يقل عن نصيب الرجال ولو في مجتمع ذكوري تحكمه سلطة رجال الدين (دولة المرابطين نموذجا) ومن النساء الامازيغيات اللواتي اشتهرن في ميدان الأدب والثقافة الأميرة تميمة بنت يوسف بن تاشفين اللمتونية، وحواء بنت تاشفين، وزينب النفزاوية المشهورة في المصادر التاريخية بأدوارها الحاسمة في كثير من الأحداث التي عرفتها الدولة المرابطية ومشاركتها قادة الدولة والجيش وزعماء القبائل في تسيير الشؤون السياسية والإدارية لمجتمعها ودولتها.
وفي العصر الحديث لعبت المرأة الامازيغية في سوس دورا هاما في صفوف المقاومة وجيش التحرير ضد المستعمر الفرنسي والاسباني كمجاهدة أو محرضة على الجهاد أو مسعفة ومضمدة للجروح في ساحة الحرب كما (كانت تشحن البنادق بالبارود وتحمل المؤن ليلا الى أعالي الجبال و الى داخل الخنادق لتزويد المجاهدين والفدائيين بالطعام والدواء والثياب والعتاد) ولنا على سبيل المثال لا الحصر الدور الوطني الذي قامت به المرأة القروية في سوس في معركة ايت عبد الله (1928-1934) بقيادة الحاج عبد الله زكور وهي من أشهر معارك الجنوب المغربي.
الى جانب هذا الدور الوطني للمرأة السوسية فإنها استطاعت مواجهة قساوة الحياة في الجبال وفي القرى المقصية من التنمية الاجتماعية والاقتصادية وكانت حارسا أمينا للأرض والأسرة والارث.. تحرث وتحصد وتغزل وتنسج وتنمي الارث المادي والرمزي للعائلة والقبيلة بل واليها يعود الفضل في الحفاظ على حروف (تيفناغ) التي تخطها وتطرز بها الألبسة والحلي والزرابي والنقش بالحناء.. كما أن النظام الاجتماعي لدى قبائل سوس والأطلس الصغير ينطلق من الأسرة كخلية أساسية (يعطي للرجل سلطة كاملة خارج البيت، وللمرأة سلطة كاملة داخل البيت، وهي تساعد الرجل في جميع أعماله الفلاحية والرعوية والتجارية وتقوم بمفردها بتلك الأعمال عند غياب الزوج، ولذلك يفرض لها من التركة ما يسمى (بالسعاية) أو ( الجراية) وهي مسالة مألوفة تناولتها كتب النوازل الفقهية عن البوادي في سوس) عمر افا
هذه الصور المضيئة للمرأة الامازيغية هو ما جعلها تتمتع بالاحترام والمكانة المرموقة داخل النظام الاجتماعي القبلي في سوس، وتشير بعض الروايات الشفوية أنه أثناء صراع القبائل تكون المرأة –دائما- طرفا في السلم ففي منطقة حاحا مثلا اذا أراد أحد الأهالي أن ينتقل من قبيلة الى أخرى فعليه أن يصحب معه بعض رجال الدين أو النساء من فريق خصومه.
واليوم وان تغيرت الكثير من المفاهيم وأساليب العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة الا أن المرأة الأمازيغية في سوس لا تزال تحافظ على منزلتها ومكانتها الاعتبارية داخل الأسرة أو في مجتمعها القبلي كما أنها استطاعت التكيف مع شروط الحياة الجديدة دون السقوط في شباك “ثقافة” العولمة أو التمرغ في براثنها وقشورها.
ذ: محمد بادرة
المرأة الأمازيغية كما نسجتها الأسطورة وسردتها الرواية التاريخية
كُتّاب وآراء

التعاليق (0)