بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
ليست كل القضايا مجرد نزاع حدودي على الخرائط. بعض القضايا تتعلق بالذاكرة والهوية، وتمثل امتدادًا طبيعيًا لشعب عبر قرون. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن عودة موسم تندوف ليس مجرد استعادة سوق تقليدي، بل هو رمز لعودة التاريخ إلى مساره الصحيح.
أجدادنا وأعمامنا لم يكونوا يعرفون تلك الخطوط المستقيمة التي رسمها الاستعمار على الورق. كانوا يعرفون الطريق فقط. وكانت تندوف، كما تروي لنا جدتنا رحمها الله، محطة مألوفة على هذا الطريق. لم تكن تُروى كأرض بعيدة أو غريبة، بل كامتداد طبيعي لمجال واحد.
كانت جدتنا تقول إن أحد أعمامنا انطلق ذات فجر نحو الموسم، من واد نون، الذي لا تبعد عنه تندوف كثيرًا حسب حسابات أهل الصحراء، حيث تُقاس المسافات بالمسير والمعرفة، لا بالحدود السياسية. ربط متاعه، وحمّل بضاعته، ومضى في درب تعرفه القبائل كما تعرف أسماء أبنائها. تصف لنا القوافل وكأنها تراها أمام عينيها: سوق نابض بالحياة، صفقات تُعقد بالمصافحة، وأحاديث تمتد حتى الغروب.
ثم تغير كل شيء. رغم أن الاستعمار الفرنسي رسم الخرائط وفصل ما كان متصلاً، لم يكن ذلك حاجزًا أمام الناس، لكن المشهد تعقد مع بروز جبهة البوليساريو في سبعينيات القرن الماضي. توقف الموسم، أُغلقت الطرق، وانقطعت صلات كانت طبيعية عبر أجيال.
اليوم، تبدو الظروف مختلفة. التحولات الإقليمية، والدعم المتزايد للمبادرة المغربية، وتبدل موازين القوى، كلها مؤشرات يرى فيها كثيرون بوادر مرحلة جديدة. مرحلة قد تشهد عودة الصحراويين المغاربة المحتجزين إلى وطنهم، للعيش في مدن حضرية كبرى بالأقاليم الجنوبية، والاستفادة من البنية التحتية والفرص التي توفرها مدن مثل العيون والداخلة.
في هذا التصور، سيلتحق من جُلبوا لأجندات سياسية بمن خلقهم، وتنتهي مرحلة توظيف النزاع إقليميًا. حينها، قد تُفتح صفحة جديدة، تُعاد فيها قراءة التاريخ والجغرافيا، ويسترجع المغرب امتداده في تندوف وبشار.
عندها فقط، لن تكون عودة الموسم حدثًا عاديًا. ستنطلق الأشغال، وتتحول تندوف إلى عاصمة للشرق الجنوبي للمملكة، تستعيد دورها التاريخي كمركز إشعاع تجاري، ويعود موسمها المعتاد كل صيف، لا كذكرى من الماضي، بل كعنوان لمرحلة جديدة.
قد يقول البعض إن هذا طموح كبير. نعم، إنه طموح، لكنه طموح يستند إلى ذاكرة الأجداد، وحكاياتهم، وإيمان بأن الجغرافيا التي جمعت الناس قرونًا لا يمكن أن تظل رهينة خرائط ظرفية إلى الأبد.
سيعود الموسم يومًا ما في وجدان الناس أولًا، ثم على أرض الواقع. عندها سندرك أن حكايات الجدات لم تكن مجرد نوستالجيا، بل كانت انتظارًا طويلًا لزمن يعود فيه التاريخ إلى مجراه.
وفي هذا الإطار، يسرني أن أعلن أنني سأشارك في تنظيم إحدى فعاليات المهرجان الإفريقي للفنون الشعبية الذي يقام بأكادير ضمن موسم تنذوف ، إن شاء الله، لتجسيد التراث وإحيائه أمام الأجيال الجديدة.


التعاليق (0)