الجزائر تدعو إلى السلم و التنمية… والواقع يرد بسخرية

3 دقائق (معدل القراءة)

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في أحدث فصول الكوميديا السياسية الإفريقية، خرجت الجزائر مجددًا تدعو إلى “تضافر الجهود لتحقيق السلم والتنمية واحترام سيادة الدول”. تصريح جميل، أنيق، ومليء بالكلمات التي يحبها الدبلوماسيون، حتى إن المستمع قد يظن أنه أمام دولة سويسرية ضلت طريقها إلى شمال إفريقيا.
لكن المشكلة ليست في الكلمات، بل في المرآة.
فحين تتحدث السلطة الجزائرية عن احترام سيادة الدول، يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط: هل المقصود سيادة الدول فعلًا، أم سيادة الشعارات على الواقع؟
من الصعب على المتابع أن يستوعب هذا الحماس المفاجئ للسلم، بينما يستمر النزاع حول الصحراء المغربية في استنزاف طاقات المنطقة لعقود طويلة. نزاع كان يمكن أن يجد طريقه إلى الحل والتعاون الإقليمي، لولا إصرار بعض الأطراف على إبقائه حيًا في غرفة الإنعاش السياسية، لأنه أصبح جزءًا من عقيدة النظام أكثر مما أصبح قضية شعوب.
أما الحديث عن التنمية، فهو بدوره يستحق وقفة تأمل. فالاتحاد المغاربي يكاد يكون المتحف الوحيد في العالم الذي لم يفتتح رسميًا رغم مرور عقود على تأسيسه. الحدود مغلقة، فرص التكامل الاقتصادي مهدورة، والاستثمارات المشتركة مؤجلة إلى أجل غير مسمى، بينما تستمر الخطب الرنانة عن مستقبل إفريقي مزدهر.
المفارقة الأعظم أن النظام الجزائري يرفع لواء مكافحة التدخل في شؤون الدول، لكنه لا يتردد في تقديم نفسه وصيًا على قضايا جيرانه. وكأن مبدأ عدم التدخل يشبه إشارات المرور: إلزامية للآخرين واختيارية بالنسبة له.
وعندما تتحدث الجزائر عن وحدة الشعوب الإفريقية، يتساءل كثيرون: كيف يمكن بناء الوحدة عبر تشجيع مشاريع الانفصال وتغذية النزاعات الحدودية والسياسية؟ فالوحدة ليست شعارًا يرفع في المؤتمرات، بل ممارسة تبدأ باحترام استقرار الدول وعدم الاستثمار في خلافاتها.
لقد تحولت الدبلوماسية الجزائرية في بعض الملفات إلى ما يشبه رجل الإطفاء الذي يحمل في جيبه علبة بنزين. يظهر في الصورة داعيًا إلى إخماد الحرائق، بينما يتهمه خصومه بأنه كان حاضرًا عند اندلاع بعضها.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة هو هذا الفارق الهائل بين الخطاب والواقع. خطاب يتحدث عن السلم، بينما المنطقة المغاربية تعيش حالة جمود تاريخية. خطاب يتحدث عن التنمية، بينما فرص التعاون الإقليمي تضيع عامًا بعد عام. وخطاب يتحدث عن حسن الجوار، بينما لغة التصعيد لا تكاد تغيب عن المشهد.
في النهاية، لا أحد يعارض السلم ولا التنمية ولا احترام السيادة. لكن هذه القيم تفقد بريقها عندما تتحول إلى عناوين للاستهلاك السياسي بدل أن تكون سياسات على الأرض. فالشعوب لم تعد تقيس الدول بما تقوله في المنابر، بل بما تفعله خارجها.
أما المواطن المغاربي البسيط، فقد أصبح يحفظ المشهد عن ظهر قلب: خطاب جديد عن الأخوة والتعاون صباحًا، وأزمة جديدة في المساء. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقًا: متى تتحول شعارات السلم إلى سلام، وشعارات التنمية إلى تنمية، وشعارات السيادة إلى احترام حقيقي لسيادة الجميع؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.