رمضان… فرصة لترك ما أثقل أرواحنا قبل أن نترك الطعام

دين و فكر

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

مع كل هلال جديد لشهر رمضان، يتكرر المشهد ذاته: موائد عامرة، شوارع أكثر هدوءًا نهارًا، وحياة تنقلب مواعيدها رأسًا على عقب. لكن وسط هذا التحول الظاهري، يغيب سؤال جوهري: هل نغيّر أنفسنا فعلًا، أم نكتفي بتغيير ساعات الأكل والنوم؟
رمضان، في معناه الأعمق، ليس شهر الامتناع بقدر ما هو شهر التحرر. التحرر من العادات التي تسللت إلى حياتنا حتى أصبحت جزءًا من يومنا دون أن نشعر بثقلها. فالصيام لا يختبر قدرة الجسد على التحمل فقط، بل يكشف أيضًا مقدار اعتمادنا على سلوكيات استنزفت وقتنا وطاقتنا طوال العام.
أول ما ينبغي أن نراجعه هو علاقتنا بالوقت. فبدل أن يصبح الشهر مساحة للهدوء والتأمل، يتحول لدى كثيرين إلى موسم للسهر الطويل والاستهلاك المفرط للمحتوى الترفيهي. ننام متأخرين، نستيقظ متعبين، ثم نشتكي من ثقل الصيام، بينما المشكلة الحقيقية ليست في الصوم بل في طريقة عيشنا له.
ثم تأتي مفارقة الطعام. شهر الصبر يتحول أحيانًا إلى شهر المبالغة، وكأن ساعات الامتناع الطويلة تمنحنا مبررًا للتعويض المفرط. هنا يفقد الصيام رسالته الأساسية: تعلم الاكتفاء، لا الإفراط؛ والشعور بالنعمة، لا مطاردتها بكثرة.
ولا تقل عن ذلك خطورة عادة العصبية التي تتكرر كل عام. كم مرة سمعنا عبارة: “أنا صائم” تُقال لتبرير الغضب بدل أن تكون سببًا لضبط النفس؟ كأننا قلبنا المعادلة؛ فبدل أن يهدّئ الصيام سلوكنا، نسمح له بأن يكشف أسوأ ما فينا.
الحقيقة أن رمضان لا يغيّر الناس تلقائيًا، بل يمنحهم فرصة نادرة للتغيير. هو محطة مراجعة سنوية، أشبه بوقفة صادقة مع الذات نسأل فيها: ما الذي أثقل أيامنا؟ وما الذي يمكن أن نتركه لنصبح أخف روحًا وأكثر اتزانًا؟
ربما لا يحتاج الأمر قرارات كبيرة. يكفي أن نترك عادة واحدة تُهدر وقتنا، أو سلوكًا يفسد علاقتنا بالآخرين، أو نمطًا يرهق أجسادنا. فالقيمة الحقيقية لهذا الشهر لا تُقاس بعدد الأيام التي صمناها، بل بما تركناه خلفنا ونحن نعبره.
رمضان يمر سريعًا كل عام، لكن أثره يمكن أن يبقى طويلًا… إذا فهمناه كبداية، لا كاستثناء مؤقت في حياتنا.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً