بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
مع دخولنا اليوم الرابع من شهر رمضان، تبدأ ملامح الصيام الحقيقية في الظهور بعيدًا عن حماسة الأيام الأولى واستعداداتها. فبعد أن يعتاد الجسد على الامتناع عن الطعام والشراب، يبرز سؤال أعمق يتعلق بجوهر هذه العبادة: هل صامت ألسنتنا كما صامت أجسادنا؟ إذ لا يقتصر الصيام على الجوع والعطش، بل يمتد ليكون تمرينًا يوميًا على ضبط الكلمة، وكبح الانفعال، وإعادة بناء علاقتنا بالآخرين عبر لغة أكثر وعيًا ومسؤولية. ومن هنا يكتسب مفهوم «صيام اللسان» أهميته باعتباره المدخل الحقيقي لفهم المعنى الأخلاقي والاجتماعي للصوم.
- الصوم بين الشكل والجوهر
من الناحية الظاهرية، يُعرَّف الصيام بأنه الامتناع عن المفطرات خلال وقت محدد، غير أن البعد القيمي لهذه العبادة يتجاوز هذا التعريف إلى كونه مدرسة متكاملة لضبط النفس. فالجوع والعطش ليسا غاية في ذاتهما، بل وسيلة لإيقاظ الوعي الداخلي وتعزيز الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين.
ويظهر هنا صيام اللسان كامتداد طبيعي لصيام الجسد؛ إذ قد تترك الكلمة أثرًا أعمق من الفعل، وقد تهدم لحظة غضب ما تبنيه سنوات من العلاقات. لذلك يصبح الصوم الحقيقي اختبارًا لقدرة الإنسان على التحكم في ردود أفعاله، خاصة في لحظات الاختلاف والانفعال.
- الكلمة في زمن السرعة الرقمية
لم تعد الكلمة اليوم منطوقة فقط، بل أصبحت منشورًا وتعليقًا ورسالة تنتشر في ثوانٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالإشاعات، والتعليقات الجارحة، والتنمر الإلكتروني، كلها أشكال حديثة لانفلات اللسان، حتى وإن لم تُسمع الأصوات.
من هذا المنطلق، يمنح رمضان فرصة لمراجعة السلوك الرقمي أيضًا: هل ما نكتبه يضيف قيمة؟ هل يعكس أخلاق الصائم؟ أم أنه مجرد رد فعل سريع تحكمه العاطفة؟ وهكذا يتحول صيام اللسان إلى وعي يومي يتجاوز حدود العبادة الفردية ليشمل الفضاء العام.
- البعد النفسي لضبط اللسان
يرتبط التحكم في الكلام ارتباطًا وثيقًا بمهارة ضبط الذات. فالإنسان الذي يتعلم التريث قبل الحديث يمتلك قدرة أكبر على اتخاذ قرارات متزنة، ويقل تعرضه للنزاعات الاجتماعية. والصيام، في هذا السياق، يبدو كبرنامج تدريبي يعزز الصبر ويكسر الاندفاع اللحظي.
كما يمنح الصمت الواعي مساحة للتأمل وفهم المشاعر، مما يخفف التوتر ويحد من ردود الفعل الحادة. فالكلمة غير المحسوبة غالبًا ما تولد من لحظة غضب عابرة، بينما يدعو الصيام إلى استبدال الاندفاع بالتعقل.
- أثر صيام اللسان على المجتمع
لا يتوقف أثر ضبط الكلام عند حدود الفرد، بل يمتد إلى المجتمع بأسره. فحين يسود الاحترام في الحوار تقل النزاعات وتزداد الثقة المتبادلة، بينما تؤدي الشائعات والتجريح اللفظي إلى توتر وانقسام اجتماعي.
ومن هنا يمكن اعتبار صيام اللسان مساهمة يومية في السلم الاجتماعي؛ إذ يبدأ الإصلاح من اللغة التي يستخدمها الناس في بيوتهم وأماكن عملهم وفضاءاتهم الرقمية. فالكلمة الطيبة تبني جسور التفاهم، بينما الكلمة القاسية تهدمها بسرعة.
- بين العبادة والسلوك اليومي
التحدي الحقيقي لا يكمن في الالتزام المؤقت خلال رمضان فقط، بل في تحويل صيام اللسان إلى عادة مستمرة. فقيمة العبادة تظهر عندما تنعكس آثارها بعد انتهائها، فيصبح الإنسان أكثر وعيًا بكلامه وأكثر حرصًا على أثره في الآخرين.
وهكذا يتحول الصوم من طقس زمني محدود إلى تجربة أخلاقية طويلة الأمد، تعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه.
- خاتمة
في نهاية المطاف، لا يُقاس الصيام بعدد الساعات التي يمتنع فيها الإنسان عن الطعام، بل بقدر ما ينجح في تهذيب سلوكه اليومي. فالكلمة التي تُحجَب عن الأذى، والنقاش الذي يُدار باحترام، والصمت الذي يسبق الغضب، كلها أشكال خفية من العبادة قد تكون أعمق أثرًا من الجوع نفسه. ومع استمرار أيام رمضان، يبقى التحدي الحقيقي هو أن يتحول صيام اللسان من ممارسة موسمية إلى وعي دائم، لأن المجتمعات لا تتغير بالقوانين وحدها، بل باللغة التي يتخاطب بها أفرادها. وحين يصوم الإنسان عن الأذى قبل أن يصوم عن الطعام، يصبح رمضان بداية إصلاح تمتد آثارها إلى ما بعد الشهر الكريم.


التعاليق (0)