بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
أثار خبر إقدام جبهة البوليساريو على إحراق الخيام التي تضم ما يُعرف بـ“محاكم المخيمات”، بما فيها من أرشيف ووثائق، موجة من التساؤلات والقلق داخل مخيمات تندوف وخارجها. فالحادثة، التي وُصفت من طرف نشطاء بأنها “حرق متعمد لكل الأرشيف القضائي”، لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تعيشه المخيمات، حيث تتزايد الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان وغياب أي آلية حقيقية للمحاسبة.
- محاكم بلا شرعية واضحة
منذ عقود، تشتغل ما يسمى بمحاكم المخيمات خارج أي إطار قانوني معترف به دوليًا، ودون ضمانات المحاكمة العادلة المتعارف عليها عالميًا. وقد سبق لعدد من المنظمات الحقوقية الدولية أن نبهت إلى أن هذه “المحاكم” كانت أداة للضبط والسيطرة، أكثر من كونها مؤسسة لتحقيق العدالة، حيث سُجلت شهادات عن اعتقالات تعسفية، وأحكام تصدر دون دفاع حقيقي أو شفافية.
- دلالات الحرق: صدفة أم فعل مقصود؟
حرق الخيام وما تحتويه من أرشيف لا يمكن قراءته كحادث عرضي، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حساسية الوثائق التي يُفترض أنها كانت محفوظة هناك: محاضر محاكمات، شكايات، أوامر اعتقال، وأسماء ضحايا ومتهمين.
بالنسبة لمنتقدي البوليساريو، فإن ما جرى قد يُفهم على أنه محاولة لطمس آثار “عقود من الظلم والبطش”، وإخفاء أدلة قد تُستعمل مستقبلاً في أي مسار للمساءلة أو التحقيق الدولي. فالأرشيف، في مثل هذه السياقات، لا يمثل مجرد أوراق، بل ذاكرة جماعية وشهادات على مرحلة كاملة.
- صراع داخلي وخوف من الانكشاف
يذهب بعض المراقبين إلى أن الحادثة تعكس أيضًا توترًا داخليًا داخل هياكل البوليساريو نفسها، خاصة مع تصاعد أصوات معارضة من داخل المخيمات تطالب بالشفافية، وحرية التعبير، وكشف مصير المختفين. في هذا الإطار، قد يكون التخلص من الأرشيف خطوة استباقية لقطع الطريق أمام أي تسريب أو انشقاق يكشف ممارسات الماضي.
- الانعكاسات الحقوقية والسياسية
حرق مؤسسات يُفترض أنها “قضائية” يوجه ضربة قوية لأي ادعاء ببناء دولة أو كيان يحترم سيادة القانون. كما أنه يعمق الشكوك الدولية حول وضع حقوق الإنسان في المخيمات، ويطرح تساؤلات محرجة حول مسؤولية الأطراف التي توفر الغطاء السياسي أو اللوجستي لهذا الوضع القائم منذ سنوات.
- خاتمة
ما جرى في مخيمات تندوف ليس مجرد حريق لخيام، بل حريق لأسئلة كبيرة حول العدالة، والذاكرة، والمحاسبة. فإحراق الأرشيف قد ينجح مؤقتًا في إخفاء الوثائق، لكنه لا يمحو الشهادات الحية ولا معاناة الضحايا. ومع تزايد الدعوات إلى التحقيق الدولي، قد يتحول هذا الفعل من محاولة طمس إلى دليل إضافي على الحاجة الملحة لكشف الحقيقة كاملة، مهما طال الزمن.


التعاليق (0)