تصريف مياه السدود يعيد طرح سؤال الحكامة المائية وتسريع الربط بين الأحواض المائية

البيئة والمناخ

أعادت عمليات تصريف مياه عدد من السدود بالمغرب، بعد بلوغها مستويات قياسية جراء التساقطات المطرية الأخيرة، النقاش حول كيفية تدبير فائض الموارد المائية، في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بتسريع مشاريع الربط بين الأحواض المائية، باعتبارها حلا استراتيجيا لمواجهة التفاوت المجالي في التزود بالماء.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت عدة أقاليم بالمملكة عمليات تصريف لمياه السدود عقب امتلاء حقينتها، في إطار تدابير وقائية تهدف إلى الحفاظ على سلامة المنشآت المائية وضمان استقرارها، خصوصا في ظل الارتفاع الكبير في منسوب المياه الناتج عن الأمطار الغزيرة التي عرفتها مختلف المناطق.

ويرى متتبعون لقطاع الماء والبيئة أن تصريف مياه السدود يظل إجراء تقنيا ضروريا ولا مفر منه عندما تتجاوز الواردات المائية القدرة الاستيعابية القصوى، مؤكدين أن هذه العملية تدخل ضمن التدبير العقلاني للمخاطر، وتجنيب السدود أي تهديدات محتملة قد تمس بنيتها أو سلامة المناطق المجاورة لها.

وعلى الرغم من ذلك، شدد هؤلاء على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في عملية التصريف في حد ذاتها، بل في غياب رؤية شمولية ومندمجة لاستثمار الفائض المائي خلال فترات الوفرة، وهو ما يجعل كميات مهمة من المياه تنتهي في البحر دون الاستفادة منها، في وقت تعاني فيه مناطق أخرى من خصاص مائي مزمن.

ويعزو المتتبعون هذا الوضع إلى محدودية مشاريع تحويل المياه والربط بين الأحواض المائية، خاصة تلك التي من شأنها نقل المياه من الأحواض الغنية، كحوض سبو، إلى مناطق تعرف ضغطا مائيا متزايدا بوسط وجنوب المملكة، معتبرين أن هذا الخلل يعمق الفوارق المجالية في الولوج إلى الموارد المائية.

واستحضر ذات المتحدثين نماذج واقعية من المشهد المائي الوطني، حيث تم في سنوات سابقة تصريف كميات كبيرة من مياه سدود حوض سبو نحو البحر، في الوقت الذي كانت فيه مناطق أخرى تعيش على وقع العطش، ما يبرز ضعف التكامل بين السياسات المائية الجهوية.

وإلى جانب ذلك، نبه المتحدثون إلى ضياع كميات هامة من مياه الفيضانات بالمناطق الجنوبية الشرقية، نتيجة محدودية منشآت التخزين وقلة السدود التلية، مؤكدين أن التغيرات المناخية أفرزت نمطا جديدا من التساقطات، يتميز بفترات جفاف طويلة تتخللها أمطار قوية ومركزة في فترات وجيزة، ما يستدعي مقاربات جديدة أكثر مرونة ونجاعة.

وفي هذا السياق، شدد المتتبعون على أن هذه التحولات المناخية تفرض تسريع وتيرة إنجاز مشاريع الربط بين الأحواض المائية، إلى جانب توسيع السعات التخزينية للسدود، بما يسمح بتحويل فترات الوفرة المؤقتة إلى رصيد استراتيجي دائم، قادر على امتصاص صدمات الجفاف المتكررة.

ويعد تسريع مشاريع الربط بين الأحواض المائية أحد الأعمدة الأساسية لضمان الأمن المائي بالمغرب، إذ أن من شأن هذه المشاريع إرساء نوع من التضامن المائي بين الجهات، والحد من التفاوتات المجالية في التزود بالماء، فضلا عن تعزيز قدرة البلاد على التكيف مع التقلبات المناخية.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً