هذا المقال من رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن توجه .

المغرب في الظلام والمجاعة: كيف انهارت الحكاية عند أول بث مباشر

كُتّاب وآراء

بقلم:أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

– أكاذيب تصل قبل أن تطأ الأقدام أرض الواقع

في كثير من الأحيان، تصل الأكاذيب أسرع من الحقائق. أثناء تنظيم منافسات كأس أمم إفريقيا بالمغرب، لاحظ البعض أن بعض الوافدين( من الجارة الشرقية )يرسلون روايات جاهزة عند أول وصول لهم، وكأنهم يحملون نصوصًا معدة مسبقًا عن بلد “مظلم” ومهمل، بلا بنية تحتية، بلا مطارات، بلا بيوت، وبلا حياة. لا تنتظر هذه الروايات حتى تُبث المباريات أو تُرصد الوقائع، بل تُطرح فورًا على أنها شهادات مباشرة، رغم بعد مسافة الحقيقة عنها.

ليست كل الحكايات التي تُروى بعد البطولات الكروية بريئة، ولا كل ما يُقال باسم “الشهادة الميدانية” يستحق صفة الخبر. هذه الروايات، رغم حِرفيتها الظاهرة، اصطدمت بأبسط اختبار يمكن أن تواجهه أي حكاية: البث المباشر.

فبينما كانت هذه السردية تُنسج خارج الواقع، كانت الكاميرات تنقل، دون وسطاء، مباريات تُلعب في ملاعب ممتلئة، مضاءة، منظمة، وتحت أنظار ملايين المشاهدين عبر العالم. الجماهير حضرت، الفرق تنافست، الحكام أداروا، والفضاءات الرياضية أدت دورها كما هو متعارف عليه في كبريات التظاهرات القارية. عند هذه اللحظة تحديدًا، بدأت الحكاية في الانهيار.

الرواية التي بشّرت بالظلام لم تصمد أمام أضواء الملاعب، والحديث عن المجاعة تهاوى أمام مشاهد المدن، والمطارات، والفنادق، وحركة الجماهير. أما الأساطير عن بلد “افتراضي” يُدار بالهولوغرام، فقد بدت عند أول صورة موثقة محاولة يائسة للهروب من الاعتراف بالواقع، لا أكثر.

غير أن الغرابة لا تكمن فقط في مضمون هذه المزاعم، بل في تشابهها المثير للانتباه: نفس المفردات، نفس النبرة، نفس الخلاصات، وكأنها خرجت من قالب واحد. وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام انطباعات فردية عفوية؟ أم أمام سردية جاهزة، جرى إعدادها مسبقًا وتوزيع أدوارها بعناية؟

هنا، لا يعود “المشجع” مجرد متابع للعبة، بل يتحول إلى حامل لرسالة، ومن شاهد على الحدث إلى أداة في خطاب إنكاري منظم. فبعض من رافقوا المنتخب لم يظهروا كجماهير عادية، بل كمجموعة جرى انتقاؤها وتأطيرها وتوجيهها، وأُرسلت لأداء مهمة موازية للتشجيع: العودة برواية جاهزة، تُفرغ الحدث من معناه، وتحوّل نجاح التنظيم إلى فشل متخيل، وتقنع الداخل بأن ما شاهده العالم بأسره لم يكن سوى خدعة كبرى.

هذا ليس تشجيعًا، بل تجنيد ناعم، حيث تتحول المدرجات إلى امتداد لغرف العمليات الدعائية، وتُستبدل الهتافات بالرسائل، والانطباعات بالتعليمات. وحين يصبح النجاح مكلفًا نفسيًا وسياسيًا، يكون أسهل الحلول هو نفيه، أو التشكيك في وجوده، أو تحويله إلى “مؤامرة رقمية”.

الإشكال الأكبر أن هذا الخطاب لم يُنتج معرفة، ولم يقنع الخارج، بل ارتدّ على أصحابه. فالعالم اليوم لا يقرأ البيانات بقدر ما يشاهد الصور، والوقائع حين تُبث مباشرة لا تحتاج إلى شروح ولا إلى تبريرات ملتوية. وحين تعجز الدعاية عن إيقاف الصورة، لا يبقى أمامها سوى إنكارها.

لقد كشفت هذه الحملة، من حيث لا تدري، عن مفارقة بسيطة لكنها قاسية: الحكاية كانت بحاجة إلى ظلام كي تعيش، لكن الحدث جرى في النور. وعند أول بث مباشر، سقطت الأقنعة، وبقي الواقع وحده واقفًا.

– خاتمة

بعيدًا عن الضجيج والسرديات المصنوعة، يواصل المغرب مساره بثبات، محققًا تطورًا ملموسًا في مختلف الميادين: بنية تحتية حديثة، أوراش تنموية كبرى، استقرار مؤسساتي، وقدرة تنظيمية تشهد لها التظاهرات القارية والدولية. هذا المسار لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، قيادة رشيدة جعلت من التنمية، والانفتاح، وبناء الإنسان ركائز أساسية لمغرب الحاضر والمستقبل.

أما الحكايات التي راهنت على الظلام والمجاعة، فقد انتهت حيث يجب أن تنتهي كل الأساطير: عند أول مواجهة مع الواقع.

ميثاق 11 يناير للشباب – CHABAB UP
وقّع على ميثاق 11 يناير للشباب عبر منصة CHABAB UP
وقّع الآن

التعاليق (0)

اترك تعليقاً