عقيدة العداء: لماذا يحتاج الحكم العسكري الجزائري إلى المغرب كخصم دائم؟

أخبار وطنية

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

  • نظام خارج الزمن حوّل الخلاف مع المغرب إلى عقيدة دولة

يبدو أن النظام العسكري الجزائري، وهو يراوح مكانه منذ عقود، لم يعد قادرًا على طرح أسئلة المراجعة الذاتية الضرورية لبقاء الدول واستقرارها، بقدر ما أصبح غارقًا في إعادة إنتاج الخطاب نفسه، والأدوات نفسها، والأعداء أنفسهم. نظامٌ هرِم، استنفد شرعيته السياسية والأخلاقية، ولم يعد يملك من وسائل الاستمرار سوى التخويف، وشيطنة الجوار، وخلق أزمات خارجية لتغطية أعطابه الداخلية.

لقد فشل هذا النظام، بشهادة الواقع، في بناء دولة حديثة تقوم على المؤسسات والكفاءة وتداول السلطة. بلد غني بالثروات الطبيعية، لكنه فقير في الحوكمة، يعاني شبابه من البطالة واليأس، وتهاجر كفاءاته، وتُغلق فيه آفاق المشاركة السياسية الحقيقية. ورغم ذلك، يصرّ الخطاب الرسمي على تسويق وهم “الاستقرار”، في حين أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على القبضة الأمنية ولا على الحكم العسكري، بل على الثقة بين الدولة والمجتمع.

ومن أبرز مظاهر هذا الانسداد، ذلك الهوس المزمن بالمغرب، الذي تحوّل من خلاف سياسي قابل للإدارة إلى عقيدة شبه رسمية في خطاب النظام. فبدل أن ينشغل صناع القرار في الجزائر بإصلاح التعليم، وتنويع الاقتصاد، وبناء دولة القانون، نجدهم يحشرون أنفسهم في كل ما يتعلق بالمغرب: من سياساته الداخلية، إلى اختياراته الدبلوماسية، إلى شراكاته الاقتصادية، بل وحتى إنجازاته الرياضية والثقافية.

هذا الانشغال غير الصحي يعكس أزمة أعمق: نظام يحتاج دائمًا إلى “عدو خارجي” ليبرر فشله الداخلي. فالمغرب، في الخطاب الرسمي الجزائري، ليس جارًا ولا شريكًا مغاربيًا محتملًا، بل شماعة تُعلَّق عليها الإخفاقات، وأداة لتعبئة داخلية مؤقتة لا تصمد أمام حقائق الواقع.

وما يجعل هذا المسار أكثر خطورة، أن النظام العسكري الجزائري لا يكتفي بإدارة الخلاف سياسيًا، بل يرتكب في نظر كثير من المتابعين جريمة مستمرة في حق الشعب الجزائري منذ عقود، تبدأ من الطفولة ولا تنتهي عند حدود الخطاب الرسمي. فبدل أن تكون المدرسة فضاءً لبناء العقل النقدي، وتعليم قيم التعايش وحسن الجوار، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج سردية عدائية، تُقدَّم فيها صورة المغرب بوصفه “الآخر الدائم” أو الخصم المفترض.

إن عدداً من المقررات التعليمية والخطابات التربوية والإعلامية يكرّس، بشكل مباشر أو غير مباشر، رؤية تبسيطية للعالم تقوم على ثنائية “نحن” مقابل “الشر الخارجي”، حيث يُصوَّر الجوار الغربي وعلى رأسه المغرب في قالب سلبي ثابت، لا يعكس تعقيد الواقع ولا روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة التي تجمع الشعبين. وبهذا، لا يُشحن التلميذ بالمعرفة، بل يُحمَّل منذ الصغر بحمولة أيديولوجية قائمة على الشك والعداء.

إن أخطر ما في هذا النهج ليس فقط تشويه وعي الأجيال، بل تطبيع الكراهية باعتبارها موقفًا سياسيًا مشروعًا، وتحويلها إلى جزء من هوية وطنية مصطنعة. فالأجيال التي تتربى على الخوف من الجار، أو على اعتباره مصدر تهديد دائم، يصعب عليها لاحقًا الإيمان بالحوار، أو الانخراط في مشاريع التعاون الإقليمي، أو حتى التمييز بين الخلاف السياسي والعداء الشعبي.

ولا يمكن فصل هذا السلوك عن طبيعة النخبة الحاكمة نفسها: قيادات تجاوزت السبعين والثمانين من العمر، تحكم بعقلية زمن مضى، وتخشى أي تغيير حقيقي قد يهدد امتيازاتها. جيل سياسي لم يعد يسمع نبض الشارع، ولا يفهم لغة الشباب، ولا يدرك أن العالم تغيّر، وأن الشعوب لم تعد تُحكم بالشعارات.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين الحكماء في الجزائر؟ أين الأصوات العاقلة القادرة على كسر دائرة العداء المفتعل، وإعادة توجيه البوصلة نحو الداخل، حيث تكمن التحديات الحقيقية؟ وأين النخب التي تضع مصلحة الشعب فوق حسابات الجنرالات؟

إن أي مشروع نهضوي حقيقي في الجزائر يبدأ أولًا بتحرير السياسة من قبضة المؤسسة العسكرية، وبناء دولة مدنية تحترم إرادة شعبها، وتعيد الاعتبار للكفاءة والمساءلة. ويبدأ ثانيًا بالتعامل مع الجوار، وعلى رأسه المغرب، بمنطق حسن الجوار، لا بمنطق العداء الدائم.

فالتاريخ لا يرحم، ومن يربّي أجياله على الخوف والكراهية، يحكم على مستقبله بالجمود. أما الشعوب، فتبقى دائمًا أوسع من أن تُختزل في صراعات الأنظمة، وأكثر قدرة على تجاوزها حين تتوفر لها الحرية والوعي.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً