بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في زمن تتكاثر فيه بؤر التوتر، وتتعثر فيه مساعي السلام، ويبحث العالم عن قادة يمتلكون الرؤية لا ردود الفعل، يبرز المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، كحالة استثنائية في الفعل الدبلوماسي الهادئ والفعّال. ويأتي البلاغ الأخير لوزارة الشؤون الخارجية ليكرّس هذه الحقيقة، من خلال الدعوة الموجهة إلى جلالة الملك للانضمام إلى مجلس السلام المزمع إحداثه بمبادرة من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه الدعوة ليست مجاملة دبلوماسية، ولا حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل اعتراف دولي صريح بمكانة المغرب كفاعل موثوق في قضايا السلم والأمن الدوليين، وبالدور المحوري الذي يضطلع به جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، كقائد يمتلك الشرعية الأخلاقية والسياسية للتأثير في مسارات النزاعات المعقدة.
لقد علّمنا تاريخ المغرب أن هذا البلد لم يكن يومًا دولة هامشية في محيطه أو في العالم. فمنذ قرون، حافظ على استمرارية دولته، واستقلال قراره، وتوازن علاقاته، فكان جسرًا بين القارات، ووسيطًا بين الحضارات، وصوتًا للحكمة حين يعلو ضجيج السلاح. واليوم، يواصل المغرب هذا الإرث التاريخي، ولكن بأدوات العصر، ورؤية استراتيجية يقودها ملك اختار أن يجعل من السلام خيارًا ثابتًا لا شعارًا ظرفيًا.
إن الثقة التي يحظى بها جلالة الملك لدى القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لم تُبنَ في يوم وليلة، بل هي ثمرة سياسة خارجية قائمة على الوضوح، والالتزام، واحترام الشرعية الدولية، والبحث عن حلول واقعية ومستدامة. وهي سياسة جعلت من المغرب شريكًا أساسيًا في ملفات مكافحة الإرهاب، والهجرة، والأمن الإقليمي، والحوار بين الأديان، فضلًا عن مساهمته الميدانية في عمليات حفظ السلام.
أما مجلس السلام المرتقب، فإنه يشكل امتدادًا طبيعيًا للرؤية المغربية التي ترى أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالحكامة، والتنمية، واحترام سيادة الدول، والانخراط العملي في معالجة جذور النزاعات. وليس من قبيل الصدفة أن تقتصر المشاركة فيه على نخبة محدودة من القادة الدوليين، ما يؤكد أن المغرب بات جزءًا من دائرة صناع القرار العالمي، لا مجرد متلقٍ لنتائجهم.
وفي خضم هذا الزخم الدولي، يظل الموقف المغربي من القضية الفلسطينية ثابتًا وواضحًا، بعيدًا عن المزايدات والارتجال. فالمغرب، تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك، يجدد التزامه بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل في سلام وأمن. وهو موقف يوازن بين الثوابت التاريخية ومتطلبات الواقعية السياسية، ويعزز مصداقية المغرب كوسيط نزيه ومسؤول.
إن مكانة المغرب اليوم بين الدول المؤثرة لم تأتِ من فراغ، ولا من خطابات رنانة، بل من عمل تراكمي، وصبر استراتيجي، وقيادة تعرف متى تتكلم، ومتى تترك للأفعال أن تتحدث. وفي عالم يعاني من ندرة الحكماء، يثبت المغرب أن التاريخ العريق، حين يقترن برؤية ملكية متبصّرة، يمكن أن يصنع الحاضر ويؤثر في المستقبل.


التعاليق (0)