بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في كل مرة يشتد فيها النقاش حول قضايا الوطن، تخرج علينا بعض الأصوات من داخل الساحة الإعلامية والسياسية والإيديولوجية بخطاب يثير أكثر من علامة استفهام. أصوات لا تتردد في انتقاد كل ما هو وطني، ولا ترى في المغرب إلا الأخطاء والاختلالات، بينما تنظر إلى الخارج بعين الإعجاب والتقديس. وكأن الوطن في نظرها مجرد محطة مؤقتة أو فندق يمكن مغادرته متى شاءت.
النقد في حد ذاته ليس جريمة، بل هو ركيزة من ركائز أي مجتمع يريد أن يتقدم. لكن هناك فرق شاسع بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين خطاب يتحول إلى جلد للذات وتشكيك في الوطن ومؤسساته، بل أحياناً إلى تفضيل زعماء أو نماذج خارجية على حساب المصلحة الوطنية. هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام نقد وطني أم أمام خطاب يفتقد أبسط درجات الانتماء؟
المغرب ليس بلداً بلا تاريخ حتى يُختزل في خطابات عابرة أو حسابات إيديولوجية ضيقة. إنه وطن ضارب في عمق التاريخ، صمد قروناً طويلة بفضل تلاحم العرش والشعب، وبفضل وعي المغاربة بأن استقرار بلدهم ليس أمراً مفروغاً منه، بل هو مكسب يجب الدفاع عنه كل يوم.
ومن الغريب أن بعض من يرفعون لواء الحرية والديمقراطية لا يترددون في تمجيد نماذج خارجية أو الاصطفاف خلف زعماء أجانب، بينما يهاجمون مؤسسات وطنهم بلا هوادة. وكأن الوطنية أصبحت عند البعض تهمة، بينما التبعية الفكرية والسياسية للخارج تُقدم على أنها بطولة فكرية.
الحقيقة البسيطة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الوطن ليس لعبة إيديولوجية. المغرب ليس حلبة لتصفية الحسابات الفكرية، ولا منصة لتصفية الغضب الشخصي. من حق أي مواطن أن ينتقد، وأن يختلف، وأن يعبر عن رأيه، لكن ليس من حق أحد أن يحول هذا النقد إلى وسيلة للتشكيك في وطنه أو التقليل من شأنه.
لقد أثبت المغاربة، عبر محطات كثيرة من تاريخهم، أنهم شعب يعرف جيداً متى يختلف ومتى يتوحد. وحين يتعلق الأمر بالوطن، فإن الغالبية الساحقة من المغاربة تضع كل الخلافات جانباً وتلتف حول ثوابتها الوطنية ومؤسساتها.
الوطن في النهاية ليس شعاراً يُرفع في الخطب ولا كلمات تُكتب في المقالات، بل هو انتماء حقيقي يظهر عندما تُختبر المواقف. ومن يختار أن يقف في صف التشكيك الدائم والتقليل من قيمة بلده، فعليه أن يدرك أن الأوطان لا تُبنى بهذا المنطق.
المغرب سيبقى قائماً، قوياً بتاريخه ومؤسساته وبأبنائه الذين يؤمنون به. أما الذين يرون فيه مجرد محطة للشكوى أو منصة للمزايدة، فعليهم أن يتذكروا حقيقة بسيطة: الأوطان لا تنتظر المترددين… بل يصنعها المؤمنون بها.


التعاليق (0)