بين روح الأرض ونبض الملاعب: المغرب يحتفل بالسنة الأمازيغية 2076 ويكتب فصلاً كروياً إفريقياً استثنائياً

أخبار وطنية

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

يعيش المغرب هذه الأيام على إيقاع حدثين كبيرين يبدوان، للوهلة الأولى، منفصلين في الزمن والموضوع، لكنهما يلتقيان في العمق حول معنى الهوية والاحتفال والرهان على المستقبل. فمن جهة، يحتفل المغاربة برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2076، بما تحمله من رمزية تاريخية وثقافية ضاربة في عمق الأرض والإنسان، ومن جهة أخرى، تقترب بطولة كأس إفريقيا للأمم، التي يحتضنها المغرب، من محطتها الأخيرة مع مباريات نصف النهائي والنهائي، في أجواء كروية غير مسبوقة.
رأس السنة الأمازيغية ليس مجرد مناسبة فولكلورية أو طقس احتفالي عابر، بل هو تعبير عن ارتباط الإنسان المغربي بالأرض والزمن والدورة الطبيعية للحياة. إنه احتفال بالاستمرارية، وبقدرة الثقافة الأمازيغية على الصمود والتجدد عبر القرون. وقد اكتسب هذا العيد في السنوات الأخيرة بعداً رسمياً ومؤسساتياً، يعكس تحوّلاً في التعاطي مع التعدد الثقافي باعتباره رافعة للوحدة لا عامل انقسام.
في المقابل، تشكّل كأس إفريقيا للأمم بالمغرب لحظة رياضية وقارية بامتياز، تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتصبح حدثاً سياسياً وثقافياً وسياحياً. ومع وصول البطولة إلى مراحلها النهائية، يتحول المغرب إلى قبلة إفريقية، حيث تلتقي الجماهير من مختلف البلدان، وتتقاطع الأعلام واللهجات والأغاني، في مشهد يعكس تنوع القارة ووحدتها في آن واحد.
اللافت في هذا التزامن بين الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة واقتراب حسم لقب كأس إفريقيا للأمم، هو ما يحمله من دلالات رمزية عميقة. فكلا الحدثين يعكسان فكرة الجذور والانتماء: الأمازيغية كجذر ثقافي وتاريخي للمغرب، وكأس إفريقيا كفضاء لانتمائه القاري. وكأن المغرب، وهو يحتفل بأصله العميق، يفتح في الوقت نفسه ذراعيه لإفريقيا، مؤكداً أن الهوية المحلية لا تتناقض مع الانفتاح القاري، بل تقوّيه وتغنيه.
كما أن النجاح التنظيمي للبطولة، وما يرافقه من إشادة إفريقية ودولية، يعكس قدرة المغرب على استثمار رصيده الحضاري والبشري في بناء صورة حديثة للدولة، صورة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. فالملاعب الحديثة، والبنية التحتية المتطورة، وحفاوة الاستقبال، كلها عناصر تلتقي مع قيم التضامن والاحتفال الجماعي التي تميز الثقافة الأمازيغية والمغربية عموماً.
في أيام نصف النهائي والنهائي، وبين أهازيج الجماهير في المدرجات وأهازيج الاحتفال بين الأسر والقرى بالسنة الأمازيغية الجديدة، يبدو المغرب وكأنه يعيش لحظة كثيفة بالمعاني: لحظة تصالح مع الذات، وانفتاح على الآخر، وثقة في المستقبل. إنها لحظة تقول إن الرياضة والثقافة ليستا مجالين منفصلين، بل مسارين متكاملين لبناء وطن قوي بهويته، وراسخ في محيطه الإفريقي.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً