بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في المغرب تُبنى الطرق، وفي موريتانيا تُفتح المعابر، وفي إفريقيا تُحاك شبكات الربط الاقتصادي… أمّا في تندوف، فيكفي أن يطلق سياسيّ تصريحاً حتى يظنّ أنه زلزل القارة من طنجة إلى كيب تاون.
فقد خرج بشير مصطفى السيد، أحد “الناطقين” بإسم البوليساريو عفوا بإسم النظام العسكري الجزائري، ملوّحاً بالحرب ضد موريتانيا إن هي واصلت مشروع فتح معبر جديد مع المغرب. مشهد يصلح لكوميديا سياسية سوداء:
-تنظيم لا يملك قرار تحريك شاحنة من مخيم إلى آخر، -يهدد دولة تمتلك جيشاً ومؤسسات وحدوداً وقراراً سيادياً.
ولنكن لطيفين:
لا أحد يعتقد حقاً أن البوليساريو تهدد موريتانيا؛ بالكاد تهدد صبر سكان المخيمات. فالتهديد الحقيقي كما يعرف الجميع يأتي من جهة تتجاوز الخيام شمالاً… الجارة الشرقية التي تحرص على بقاء المنطقة مضطربة كي لا تتبخر مشاريعها السياسية القديمة، تلك المشاريع التي لا تزال تعيش خمسين سنة متأخرة عن التاريخ.
معبر واحد… لكن صداه يكشف الكثير
المعبر المغربي الموريتاني الجديد، الذي يربط السمارة بشمال موريتانيا، ليس صاروخاً باليستياً ولا قاعدة نووية.
إنه… طريق. إسفلت. لا أكثر.
لكن على ما يبدو، فإن قطعة إسفلت بسيطة قد تكون أخطر على بعض الأنظمة من جيوش الناتو.
لماذا كل هذا الهلع؟
لأن فتح المعبر يعني ببساطة:
-تقريب المغرب من السوق الموريتانية والساحل.
-تسهيل التبادل التجاري الإفريقي.
-تحريك قوافل الشاحنات بدل البلاغات الحربية.
‘تعزيز مشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي.
-دعم مبادرة الربط بين دول الساحل والمحيط الأطلسي
وبالنسبة لبعض العواصم، هذه المشاريع أخطر من قنبلة نووية.
فكل ما يساعد إفريقيا على النهوض… يُقلق من يفضّل أن تبقى جالسة.
- إفريقيا… القارة التي تريد أن تعمل بينما البعض يريدها أن تتشاجر
المعبر الجديد سيخلق شرياناً تجارياً استراتيجياً:
-دول الساحل مثل مالي والنيجر وتشاد ستحصل على طريق أقصر إلى المحيط.
-موريتانيا ستصبح بوابة عبور رئيسية لإفريقيا الغربية.
-المغرب سيعزّز وجوده الاقتصادي جنوباً.
-وإفريقيا ستستفيد من ربط قاري لا يعتمد على معابر “يغلقها غضب سياسي ويفتحها مزاج دولة راعية”.
وهنا يبدأ الإزعاج الحقيقي:
كيف ستظل إفريقيا محتاجة “لوساطة” من يعيش على تأجيج أزماتها إذا أصبحت طرقها مفتوحة؟
وكيف سيستمر خطاب “عزلة المغرب عن إفريقيا” إذا صار الطريق إلى نواكشوط ونيامي يبدأ من السمارة؟
والمعضلة الأكبر:
كيف سيواصل “الملف الصحراوي” تغذية ماكينة الدعاية إذا صار الواقع الاقتصادي أقوى من كل الشعارات؟
- تهديد الحرب: المسرحية التي تُعرَض كلما شعر أحدهم بالملل
تهديد القيادي الانفصالي بالحرب يشبه تهديد طفل صغير باتخاذ قرار خطير:
“سأمتنع عن اللعب!”
واللعبة ليست لعبته، ولا المكان مكانه، ولا القرار قراره.
موريتانيا تعرف أن البوليساريو لا تملك القدرة على خوض حرب ضد أي أحد.
وتعرف أيضاً أن التهديد ليس سوى “رسالة” صادرة من الجهة التي تستخدم الجبهة كما يستخدم البعض زرّ الإنذار الوهمي: يضغطون عليه كلما احتاجوا ضجيجاً.
والأطرف من كل هذا أن “التهديد العنيف” لم يُعلن في مؤتمر دولي ولا عبر منصة رسمية، بل تسلّل عبر صحيفة إسبانية يمينية… وكأن الجبهة تعيش على مبدأ: “أينما تكون الكاميرا… نكون”
- موريتانيا… الهادئة التي تُقلق من لا يحب الهدوء
موريتانيا ليست دولة تبحث عن المعارك؛ هي تبحث عن طرق، كهرباء، غاز، ومشاريع تربطها بجيرانها.
لكن هذا الطموح الطبيعي يبدو مزعجاً لمن يرى في المنطقة مجرد رقعة شطرنج يجب أن تبقى مجمّدة بانتظار حرب باردة انتهت منذ ثلاثة عقود.
والواقع أن نواكشوط تجد نفسها أمام مسرحية هزلية:
جهة لا تملك دولة تهدد دولة ذات سيادة لأنها… تبني طريقاً.
وكل هذا لأن الطريق لا يناسب “الراعي السياسي” الذي يخشى أن تتقوّى الروابط المغربية الموريتانية بما لا يمكن فصله لاحقاً.
- في النهاية… من يقرع الطبول؟
حين تقول البوليساريو إنها ستدخل الحرب، يعرف الجميع أن:
-الطبل في تندوف،
-واليد التي تقرعه في الجزائر،
-والصدى الذي يملأ الإعلام مصدره غرفة واحدة،
-بينما ساحة “الصراع الحقيقي” ليست سوى طريق معبّد يرفض البعض رؤيته يتّسع.
ومع ذلك …المعبر سيفتتح،
المشاريع ستتقدم،إفريقيا ستستفيد،وسيظل البعض يلوّح بالحرب كلما غابت عنه الأضواء.
فالتاريخ يعلّمنا شيئاً بسيطاً:
كلما تقدّمت التنمية، تراجعت قيمة الشعارات.
وكلما توسّعت الطرق، ضاق الخناق على من يتغذّى من إغلاقها.


التعاليق (0)