كان اليوم الذي تخرج فيه كوكبة الأغنياء والنافذين والأعيان للوقوف على صعيد واحد، راكعين خاضعين لهيبة السلطان. كان اليوم الذي تسبقه أيام من الاستثناء الإعلامي والثقافي والتعليمي، حيث يتوقّف كل شيء لتجديد البيعة والتعبير عن الولاء. وكان اليوم الذي يلقي فيه الحاكم الأول والأخير أقوى بياناته السياسية للسنة، ويخاطب الداخل والخارج، ويكشف طبيعة طموحاته ورهاناته الجديدة للعام المقبل.

ألقى الملك الحسن الثاني أول خطاب للعرش يوم ثالث مارس 1961 من أعلى منصة شيّدت في رحاب المشور خارج القصر الملكي. وبعدما دخلت المملكة عصر التلفزيون في السنة الموالية، أصبح ذلك الخطاب يدخل جميع البيوت. وقبل أن يجلس أفراد الأسر في وقار وخشوع أمام إطلالة الملك بقلمه الذهبي في اليد ونحنحته المزدوجة في بداية الخطاب، قبل أن ينطلق مرددا بين الفينة والأخرى: «شعبي العزيز»؛ كانت كلّ الأشكال الاحتفالية والطقوس الاجتماعية والدينية مطالبة بالانخراط في سيمفونية التهليل للملك التي تدوم عدة أسابيع. كان عيد السلطة، بعدما بدأ عيدا للشعب، فرصة لتباري القياد والباشاوات والمنتخبين والعمال والولاة في إبداء المهارة في التعبئة والتجييش. كان استعادة حرفية لأدق تفاصيل الاحتفاء بشخص السلطان والحاكم التي عرفها تاريخ البشرية.
الأنتربولوجي، حسن رشيق، يقول إن الطقوس والبروتوكول الملكيين بمثابة السياق السياسي الذي يعبّر عن مواقف الأطراف المتصارعة. ويوضح رشيق، في دراسة له حول التوجّه نحو تقديس الحاكم بالمغرب، أن الذي يقبّل يد الملك من الجهتين، يعبّر عن خضوع كبير تجاهه، وأن الطقوس ذات دلالات أكثر بلاغة من النصوص، حيث تسمح بالتعبير عن الأفكار دون الحاجة إلى الإعراب عنها بالكلام أو الكتابة. وفي حديثه عن حفل الولاء، قال حسن رشيق إنه الحدث الأكثر «فرجوية» في الطقوس الملكية، موضحا أن منظميه يحرصون على حضور ضيوف مشاركين في الحفل، ومتفرجين يقفون بعيدا لمشاهدته، ما يعطيه طابع الفرجوية المقصودة. فرجوية باتت مع الحسن الثاني تنقل نقلا مباشرا عبر التلفزيون، ليصبح الجمهور المتفرّج هو الشعب المغربي بالدرجة الأولى.

كانت احتفالات 3 مارس عيد الدولة بامتياز، وبما أن الدولة هي الحسن الثاني، وهذا الأخير في احتفال، كان على المغاربة جميعا أن يحتفلوا. وكانت التحضيرات والتوجيهات وتأطير هذه الاحتفاليات تتم فوقيا، فيما التنفيذ يكون على المستوى الأدنى، ويتوسع أفقيا نحو الهوامش والمناطق المهمشة والمعزولة التي ينفتح عليها المخزن في هذه المناسبة. وكانت الغاية هي خلق صورة متفردة لشخص الملك، بما يجعله أبا الجميع وفوق الجميع، يخيف ويطمئن، يعاقب ويجازي، يعطي ويمنع، هي من أدبيات البروتوكولات الملكية التي تبلغ ذروتها في حفل الولاء الذي يقام غداة عيد العرش.
نحن الآن عشية حلول يوم العيد، ملايين الأعلام الحمراء تكسو تراب المملكة بمدنها وقراها وجبالها وحتى شواطئها، الحياة بهيجة والمواطنون «سعداء» يضعون آخر اللمسات على ملابسهم الجديدة. الشعراء يتبارزون في تحضير قصائدهم الوطنية والرومانسية والحماسية، والمغنون يجهّزون حناجرهم الذهبية لتصدح على أنغام آخر الألحان. لا يوجد حيّ ولا دوار بدون منصة للاحتفال، فهو العيد الأكبر، المدارس في عطلة غير معلنة، أقسامها أزاحت مقاعد الدراسة إلى أحد الأركان لتتحوّل إلى ورشات للمسرح والرقص والغناء والرسم والإبداع، والجدران كلّها ارتدت البياض بعد طلائها بـ«جير» ناصع البياض نال رضى المقدّمين. الجميع يجلس مساء كلّ يوم ليتفرّج على برامج «الخير والنماء»، والتعرّف على آخر ثمار «الديمقراطية الحسنية» و«العهد الحسني الزاهر»… هكذا كان سيبدو المغرب في يومي نهاية الأسبوع هذه، لو كان ثالث مارس الحالي يعود إلى إحدى السنوات الأربعين الأخيرة من القرن العشرين.
عيد العرش في عهد الحسن الثاني تحوّل إلى مناسبة احتفالية استثنائية، كادت تتفوّق في طقوسها ومظاهر الاحتفال بها على أهم وأعرق الأعياد الدينية للمغاربة. ثياب جديدة، أطعمة لذيذة، وكرنفالات، وسهرات، وذبائح وقرابين، كلّ ذلك قربانا لذكرى عزيزة على شخص الملك ووجدانه، ذكرى اعتلائه العرش. مواليد السنوات الأولى للثمانينيات وما قبلها، لم يكونوا يقضون الأسبوع الحالي في عطلة نصف سنوية للاسترخاء والاستجمام، بل كانت عطلة للاستعداد. الكل كان مدعوا للتكفّل بنصيبه من الحفل الوطني الكبير.. الطفل في مدرسته مدعو إلى الغناء والاحتفاء، ووالداه مطالبان بتزيين البيت ورفع العلم، وكل من يتقن حرفة أو وظيفة مطالب بترجمتها إلى ما يدلّ على الولاء.

كان عيد الحسن الثاني بامتياز.. كلّ الأشكال الاحتفالية والطقوس الاجتماعية والدينية كانت مطالبة بالانخراط في سيمفونية التهليل للملك. كان عيد السلطة بعدما بدأ عيدا للشعب، كان فرصة لتباري القياد والباشاوات والمنتخبين والولاة والعمال في إبداء المهارة في التعبئة والتجييش.. كان استعادة حرفية لأدق تفاصيل الاحتفاء بشخص السلطان والحاكم التي عرفها تاريخ البشرية. كان العيد الوطني الأول للمغرب، لا ينافسه إلا عيد آخر للملك، هو عيد الشباب، وليس عيد الاستقلال ولا الانتصار في إحدى معارك المقاومة.
جعل الحسن الثاني من يوم 3 مارس من كل سنة، خلال فترة حكمه، عيدا للدولة، يكرس فيه شرعيته السياسية والدينية إزاء معارضيه، وتجدد فيه نخبتها الولاء والبيعة لملكها. وجعل منه وزيره في الداخلية، وفيما بعد في الداخلية والإعلام، إدريس البصري، احتفالية شعبية يدافع فيها «الفلاح عن العرش»، وعملية تعبئة للمواطن العادي في العالمين الحضري والقروي، لنصرة ملكية الحسن الثاني في صراعها المرير مع معارضيها وخصومها والساعين إلى دمقرطتها.
جزائري أوحى للوطنيين بالفكرة
يعود أصل الاحتفال بيوم جلوس الملك على العرش إلى السنوات الأولى من الثلاثينيات، حين كانت خلايا المقاومة السياسية الأولى تفكّر في إبداع طرق ووسائل ناعمة ورمزية لبعث الشعور الوطني في نفوس المغاربة، وخلق أسباب تكتلهم وتوحّدهم في مواجهة المحتل. المصادر التاريخية تُجمع على تسجيل أول احتفال للمغاربة بعيد العرش في العام 1933، حيث خرجت الفكرة أول مرة عبر صحيفة اسمها «عمل الشعب»، كان يصدرها محمد بن الحسن الوزاني، عبر نشرها مقالا غير مسبوق في أكتوبر من تلك السنة، مرفوقا بصورة السلطان محمد الخامس، يدعو إلى الاستعداد للاحتفال بيوم 18 نونبر، التاريخ الذي يصادف الذكرى السادسة لجلوسه على العرش.

لكن المصادر التاريخية تتحدّث عن وقوف شخص مغمور، ينحدر من أصول جزائرية، وراء هذه الفكرة، و«اختبائه» وراء اسم حصار تفاديا لبطش سلطات الحماية. الفكرة نشرت عبر عمود في مجلة «المغرب».. المقال جاء حاملا لتوقيع شخصية سلاوية شهيرة هي محمد حصار، وتوجّه بالحديث مباشرة، وفي سابقة من نوعها، إلى سلطات الحماية مطالبا إياها بعدم عرقلة هذه الفكرة والمساعدة على تنزيلها. كتابات تلاها صدور مقالات تتحدّث لأول مرة عن ذكرى اسمها «عيد العرش»، وعن ضرورة تشكيل لجان محلية للتحضير للاحتفال بهذه المناسبة، وكان أن خرجت المبادرة إلى الوجود، حيث أقيمت احتفالات صغيرة في كل من مدينتي سلا والرباط. تحرّك راقبته سلطات الحماية الفرنسية بريبة كبيرة، وامتنعت عن الاستجابة له بدعوى أن السلطان غير موجود في العاصمة، وبالتالي كان أول احتفال بعيد العرش في المغرب شعبيا خالصا.
«كان اليوم 18 نونبر من سنة 1933، وكان المكان الحديقة العمومية الكبرى المعروفة باسم جنان السبيل، على مقربة من باب أبي الجنود بفاس، لم يقِنا استظلالنا بأشجار الحديقة من الابتلال برشاش المطر المتهاطل، ولم أكن أعي في سن صباي وأنا أحضر هذا الاجتماع أنه كان المهرجان الوطني الشعبي الأول الذي تعقده الحركة الوطنية المغربية بالمدينة، للاحتفال بالذكرى السادسة لعيد جلوس السلطان محمد بن يوسف على العرش»، يقول المستشار الملكي الراحل عبد الهادي بوطالب في مذكراته.
في السنة الموالية، وأمام تمسّك أصحاب المبادرة بفكرتهم، وتحضيرهم جديا لتطبيقها مجددا، ارتأت سلطات الحماية الانحناء لعاصفتها ومحاولة احتوائها، وصدر قرار وزاري للصدر الأعظم، محمد المقري، يوم 31 أكتوبر 1934، وصادق عليه المقيم العام الفرنسي «هنري بونسوت». القرار يعلن يوم 18 نونبر من كل سنة عيدا وطنيا، بل جعله يوم عطلة تنظم فيه الحفلات الموسيقية٬ وتتزين فيه المدن٬ ويسمح خلاله بتوزيع الألبسة والأطعمة على المحتاجين، وكان الشرط الوحيد لسلطات الحماية في ذلك القرار، هو عدم إلقاء «الخطب السامية». فيما كانت مجموعات الوطنيين في كبريات المدن المغربية، قد استلهمت الفكرة من الثقافات الأوربية، القائمة على الروح القومية وتمجيدها، وجعلوا ذلك خيارا وسطيا، بين الانتماءات المحلية، للأسرة والقبيلة، والانتماء الأكبر إلى الأمة الإسلامية. وحتى لا يدخلوا في اصطدام مباشر مع سلطات الحماية، جعلوا رمز الاحتفال الوطني هذا هو السلطان، باعتباره رمزا مشتركا يعترف به عقد الحماية، عكس الدوافع الثقافية والدينية واللغوية التي كان يمكنها أن تثير غضب المحتلين. كما كانت مصر، قبلة الوطنيين العرب حينها، مصدرا للإلهام، من خلال شروع حزب الوفد في الاحتفال بعيد «الجلوس» قبل عشر سنوات من عيد العرش المغربي، وكلها أعياد لتحقيق هدف الاحتفاء بالوطن وتغذية الشعور بالانتماء إليه.
فرصة محمد الخامس لإظهار السيادة
«كانت نخبة سياسية مدينية جديدة بدأت تعلن عن نفسها في كبريات مدن المغرب، وكانت ميزتها أنها خرجت من جبة السلفية المغربية المتنورة، العقلانية والوطنية، وبدأت تبلور أشكال فعل سياسي مديني منظم، منذ بداية الثلاثينات»، يقول الباحث والصحفي لحسن العسيبي، موضحا أن صيغا نضالية سياسية سلمية تبلورت وبلغت أوجها مع صدور ميثاق كتلة العمل الوطني سنة 1937. «ومع توالي سنوات التأطير السياسي للمغاربة ضمن المنظومة الوطنية للتحرير والاستقلال، أصبح عيد العرش حينها الفرصة الكبرى الرسمية لإعلان السيادة المغربية والتعبير عن الحق في الحرية من خلال احتفالات عمومية. ولقد بلغت هذه المطالب ذروتها في سنة 1952، في الذكرى الفضية لعيد العرش، حيث أصبح الاحتفال بالعيد حينها مجالا لمواجهات مفتوحة قوية مع المستعمر». ذروة تجسّدت في احتفالات غير مسبوقة أقامها وطنيون بقيادة الشهيد محمد الزرقطوني، حيث تم ربط الاحتفاء بالتعبير عن الانتماء العربي والمغاربي للمغرب، وهو ما أثار غيظ الفرنسيين، وانتهى باختفاء الزرقطوني ودخوله مرحلة السرية التي انتهت باستشهاده.

«كنت أسعى في مهمتي الصحفية والوطنية أن أحضر اجتماعين مهمين كل عيد للعرش يوم 18 نونبر. الاجتماع الأول هو ساعة تقديم المقيم العام لتهاني الدولة الفرنسية وتهانيه وإدارته لجلالة السلطان بعيد العرش، والاجتماع الثاني هو التجمع المحدود الذي يحضره داخل إحدى قاعات القصر نحو مائتين من المدعوين، وقد كنت منهم»، يقول قيدوم الصحافة الاستقلالية، عبد الكريم غلاب، في مذكراته. ويضيف غلاب أن هذا الاحتفال كان يحضره بعض كبار الموظفين، مغاربة وفرنسيين، والصحفيين وبعض المهتمين. وكان هؤلاء يجتمعون واقفين في جانب من قاعة العرش التي يجري فيها الاحتفال. «فقد كان السلطان يجلس على العرش ويأخذ بأبهة الملك، ويدخل المقيم في ملابس رسمية، ومعه كبار المسؤولين الفرنسيين في الإقامة ورؤساء الإدارات. يقدم المقيم العام تهانيه وتهاني الدولة في عبارات ودية مختارة، حتى لتشعر بأنه أمام سلطان دولة مستقلة، ويترجم «محمد المعمري» ويجيب السلطان باللغة العربية وبكلمات شكر لبقة مترفعة. ثم ينتقل الحديث بين السلطان والمقيم العام إلى القضايا العامة، دون تحديد ولا تدقيق. وقد يتناول مرة موضوع الموسم الفلاحي. وتبقى لباقة المجاملة مسيطرة على الحديث». ويحرص غلاب، في مذكراته، على الإشارة إلى بعض «المطالب» التي كان يعبّر عنها السلطان بمناسبة ذكرى جلوسه على العرش، حيث كان «يعبّر بكلمات دقيقة عن تطوير المغرب ليعلو إلى درجة الدول الراقية. ويجيب المقيم العام بكلمات مبهمة، ولكنها واضحة، بأن الحماية تقوم بواجبها الذي تفرضه مسؤوليتها لترتفع بمكانة المغرب. كل من السلطان والمقيم العام يفهم الآخر، وكل منهما يقول ما يريد أن يقوله، وتبقى مجاملة الحديث تسيطر على الموقف كما تقتضيها المناسبة».
انعطافة سلطوية للعيد الوطني
تحوّل كبير وشامل في دلالات هذا العيد وكيفية الاحتفاء به، سيقع في مرحلة يتفق الباحثون على وصفها بالمرحلة الثانية من تاريخ هذا الاحتفاء، ويكادون يجمعون على وصفها بالانعطافة السلطوية، حيث تحوّلت المناسبة في عهد الملك الراحل، الحسن الثاني، إلى عيد للدولة واحتفاء بشخص الملك، بعدما كان عيدا للشعب والوطن. فقد كان الملك الراحل في سنوات حكمه الأولى، في ذروة صراع سياسي وفكري مع المنحدرين من الحركة الوطنية. ويقدّم كتاب «تاريخ المغرب تحيين وتركيب»، القصة الكاملة للطريقة التي اتبعها الملك الراحل الحسن الثاني لفرض نظام ملكية مطلقة تسود وتحكم وتفرض هيبتها بقوة الحديد والنار، وتزرع بذور الخضوع والطاعة في الذهنية العامة للمغاربة، عبر دفعهم أكثر نحو تقليدانيتهم وطقوسهم العتيقة، بدلا من تركهم يتوجهون نحو التعليم العصري ويمتحون من الأفكار الجديدة.ذ

في حديثه عن فترة ما بعد الاستقلال، توقّف المؤلف التاريخي، «تاريخ المغرب تحيين وتركيب»، عند حالة عدم الاستقرار التي عاشها المغرب بعيد استقلاله، حيث تعاقبت عليه خمس حكومات بين سنتي 1955 و1960، و«من بين العوامل التي تقف وراء المواجهات التي زعزعت الأوضاع في السنوات الأولى من تاريخ المغرب المستقل، هناك رغبة الزعماء الوطنيين في تحقيق اقتسام أكثر توازنا للسلطة بين القصر والحركة الوطنية». وأوضح الكتاب أن الاختلاف تركّز حول ممارسة الحكم ووسائل التحكم فيه، «قبل أن ينصبّ على طبيعة النظام ونوعية النمط الاجتماعي المتوخى لينصهر في شكل تعارض تام بين نمطين اثنين من أنماط التحديث السياسي-الاجتماعي. فأما أحد النمطين فتبناه الملك الحسن الثاني، وأما النمط الآخر فكان من اختيار الجناح اليساري للحركة الوطنية».
الكتاب الصادر السنة الماضية عن المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، خلص إلى أنه وبعد فترة وجيزة اتسمت بتوازن القوى السياسية على الساحة ما بين سنتي 1956 و1960، ظهر انزلاق النظام نحو صيغة سلطوية تقوم على اختيار يتوخى العودة بالعلاقات مع القوى السياسية الأخرى نحو الوضع التقليدي، وذلك ابتداء من تكوين حكومة برئاسة الملك محمد الخامس شخصيا خلال شهر ماي 1960. وبعد عدة سنوات، أعلنت حالة الاستثناء التي استمرت من 7 يونيو 1965 إلى 31 يوليوز 1979. ولم يكن الاحتفال بعيد العرش سوى واحدة من الوسائل الفعالة التي استعملها الملك الراحل لفرض كاريزما شخصية غير مسبوقة في تاريخ المغرب، وتحويل شخصه إلى مرجع وحيد للسلطة والحكم.
«منذ السنوات الأولى للاستقلال، بدأ يتبلور منطق جديد لممارسة الحكم والسلطة. حيث كان للمرحوم الحسن الثاني منطقه الخاص في تدبير أمور الدولة، المتأسس على إعادة بنية طقوس المخزن القديمة، بكل ما جره عليه من معارضة وانتقاد»، يقول لحسن العسيبي، مضيفا أن عيد العرش أصبح ضمن منطق هذا التقاطب السياسي الصدامي، بين مشروعين لإعادة بنية الدولة والمجتمع المغربيين، مناسبة للولاء لشخص الملك بالمعنى المخزني الكلاسيكي. «أي أن الغاية اختلفت بين أسباب الاحتفالية السابقة والأسباب السياسية للاحتفالية الجديدة. ولهذا السبب كان هذا العيد مناسبة للدولة لتأكيد الشرعية الرمزية والسيادية للجالس على العرش، التي كانت موضوع تنازع من قبل مشاريع سياسية أخرى في المجتمع، تنتصر للشرعية الشعبية الديمقراطية».
توجّه سياسي، قال العسيبي إنه تجسّد في الحرص على تعظيم الطقوس المخزنية لهذا العيد الوطني المغربي في عهد الملك الراحل، «لأن الصراع كان أيضا صراع معان ورمزيات وسلوك. ومع توالي السنوات، أصبح يوم 3 مارس، تاريخ جلوس الملك الراحل الحسن الثاني على العرش بعد وفاة والده الملك الوطني محمد الخامس في العاشر من رمضان من سنة 1961، مناسبة لقياس درجة الاصطفاف ضمن مشروع تجديد المخزن القديم من عدمه». ومن هنا، نبع ذلك التسابق في التعبير عن الولاء في ذلك اليوم والأيام التي تسبقه وتليه. وتلك الهالة التي ظلت تصاحبه على كافة المستويات في المدارس والعمالات والتلفزيون، بما يصاحب ذلك مما كان يطلق عليه «الأغاني الوطنية». «فالغاية هي ترسيخ أسلوب تدبير سياسي خاص. وفي المعنى العام، أصبح عيد العرش حينها مع توالي السنوات عيد الدولة أكثر منه عيد المجتمع، عكس ما كان عليه في المرحلة الأولى، حيث كان واحدا من مناسبات التعبير عن أنه عيد الدولة والمجتمع»، حسب العسيبي.

