عبدالله بن عيسى
مع كل اقتراب للاستحقاقات التشريعية، يعود نفس الخطاب إلى الواجهة: مرشحون يَعِدون بجلب التنمية، وفتح الأوراش، وحل مشاكل التشغيل والبنيات التحتية، وكأن البرلمان مؤسسة تنفيذية تملك مفاتيح الاستثمار والطرق والمشاريع. والحال أن هذا الخطاب، مهما بدا جذابًا في الحملات، يصطدم مباشرة بالنص الدستوري الذي حدد وظيفة البرلمان في التشريع والرقابة والتقييم، لا في تنفيذ المشاريع التنموية على الأرض.
الفصل 70 من دستور 2011 واضح ولا يترك مجالًا كبيرًا للتأويل: البرلمان يمارس السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية. هذا هو جوهر المهمة البرلمانية كما يعرضه النص الدستوري نفسه، وكما يورده الموقع الرسمي للبرلمان المغربي. لذلك، فإن تحويل البرلماني في الخطاب الانتخابي إلى “مقاول تنمية” أو “صاحب مشاريع” ليس فقط تبسيطًا مخلًا، بل خلط مباشر بين السلط والاختصاصات.
الحقيقة التي يجري التعتيم عليها في كثير من الأحيان هي أن التنمية الترابية في المغرب لا تُدار من داخل قبة البرلمان، بل من خلال الدولة ومؤسساتها التنفيذية والجماعات الترابية. فالباب التاسع من الدستور ينص على أن التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة. معنى ذلك أن الفاعل المركزي في تنزيل التنمية هو المنظومة الترابية والتنفيذية، لا النائب البرلماني بصفته التشريعية.
ويزداد الأمر وضوحًا مع القوانين التنظيمية المؤطرة للجهات، خاصة ما يتعلق ببرنامج التنمية الجهوية، الذي تحدده النصوص باعتباره الوثيقة المرجعية لتخطيط وبرمجة المشاريع والأعمال ذات الأولوية داخل تراب الجهة لمدة ست سنوات، بهدف تحقيق تنمية مندمجة ومستدامة وتحسين جاذبية المجال الترابي وتعزيز تنافسيته. هنا نتحدث عن آلية مؤسساتية واضحة المعالم، تقودها الجهات في إطار اختصاصاتها، وليس عن وعود فردية يطلقها مرشح للبرلمان خلال مهرجان خطابي أو جولة انتخابية.
هذا هو جوهر المشكلة: جزء من الخطاب الانتخابي في المغرب لا يُبنى على توضيح الأدوار، بل على استثمار مقصود في ضبابية الوعي السياسي. يُقال للناخب إن التصويت على شخص معين سيجلب التنمية إلى المدينة أو القرية، بينما النصوص القانونية تضع هذا الدور أساسًا ضمن صلاحيات الحكومة والإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية. والنتيجة أن الناخب يُدفع إلى محاسبة البرلماني على ما ليس من اختصاصه، ويُعفى في المقابل الفاعل التنفيذي الحقيقي من المساءلة التي يفترض أن تطاله.
التجارب السابقة في المغرب كرّست هذا الخلط لسنوات. فصورة “البرلماني النافع” ظلت عند جزء من الرأي العام مرتبطة بمن يتدخل لجلب امتياز أو التوسط في خدمة أو الضغط لتمرير مشروع محلي، بينما الوظيفة الحقيقية للنائب هي أن يشرّع جيدًا، ويراقب الحكومة بصرامة، ويقيّم السياسات العمومية بكفاءة، ويُسمع صوت المواطنين داخل المؤسسة التشريعية. هذا الانزياح في الوعي هو ما حوّل بعض الحملات الانتخابية إلى سوق كبير لبيع الاختصاصات الوهمية.
بل أكثر من ذلك، فإن استمرار هذا الخلط يضرب جوهر المحاسبة الديمقراطية. عندما يقتنع المواطن أن البرلماني مسؤول عن تزفيت الطريق أو بناء المستشفى أو جلب الاستثمار، فإنه يوجّه غضبه أو رضاه إلى الجهة الخطأ. وهنا تتحول الانتخابات من لحظة لمحاسبة من يشرّع ويراقب إلى لحظة لمكافأة من يجيد التسويق الشعبوي. بذلك لا نخسر فقط وضوح المؤسسات، بل نخسر أيضًا المعنى الحقيقي للتصويت.
لا أحد ينكر أن للبرلماني دورًا سياسيًا مهمًا في الدفاع عن منطقته، وطرح مشاكلها، ومساءلة الحكومة حول اختلالاتها، والترافع من داخل المؤسسة التشريعية لصالح قضايا المواطنين. لكن هذا شيء، والادعاء بأنه هو من “يصنع التنمية” شيء آخر تمامًا. البرلماني يستطيع أن يضغط بالسؤال والمساءلة والمبادرة التشريعية والنقاش العمومي، لكنه لا يملك بصفته النيابية سلطة التنفيذ المباشر للمشاريع الترابية.
لهذا، فإن أول معركة حقيقية قبل أي انتخابات ليست بين الأحزاب فقط، بل بين الوعي والتضليل. الوعي يقول إن البرلمان سلطة تشريعية رقابية تقييمية. والتضليل يقول إن النائب هو مفتاح التنمية المحلية. وبين الأمرين تُصنع أكبر كذبة انتخابية تتكرر كل موسم: بيع التنمية في سوقٍ دستوري لا يملك البرلماني فيه سوى سلطة القانون والمساءلة.
حين يَعِدك مرشح برلماني بأنه سيجلب لك التنمية، فاسأله أولًا: هل يكلّمك بمنطق الدستور أم بمنطق الحملة؟ لأن النص واضح، والاختصاصات واضحة، والتجارب أوضحت بما يكفي أن التنمية مسؤولية الدولة والحكومة والجماعات الترابية، أما البرلمان فدوره أن يشرّع، يراقب، ويقيّم. وما عدا ذلك، في كثير من الأحيان، ليس برنامجًا انتخابيًا بقدر ما هو تسويق سياسي للوهم.
