في ملاعب كرة القدم، يهتف الأطفال بعفوية، يفرحون للهدف ويحزنون للخسارة، ولا يسألون عن الخلافات السياسية ولا عن بيانات الأنظمة. لكن يبدو أن براءة الأطفال أصبحت مشكلة بالنسبة لمن اعتادوا تحويل كل حدث إلى مادة للدعاية.
وسيم لم يذهب إلى الملعب حاملاً خطاباً سياسياً، بل ذهب مرتدياً قميص المنتخب الجزائري، وبرفقة أصدقائه المغاربة، ليشجع المنتخب المغربي بكل حماس منذ صافرة البداية. بالنسبة إليه، لم يكن في الأمر أي تناقض؛ فالجزائري والمغربي بالنسبة لهذا الطفل ليسا خصمين، بل أبناء منطقة واحدة تجمعهم اللغة والتاريخ والثقافة وروابط الأخوة.
هذه الصورة وحدها كانت كافية لتزعج كل من يعيش على تأجيج الخلافات. فطفل جزائري من أبناء الجالية، تربى بعيداً عن خطاب الكراهية، يرى في تشجيع المغرب أمراً طبيعياً، وفي الاحتفاظ بقميص الجزائر أمراً أكثر طبيعية. إنها رسالة تلقائية لم يحتج صاحبها إلى بيان سياسي ليوجهها.
الحادثة التي تعرض لها وسيم، إن ثبتت تفاصيلها كاملة أمام القضاء الأمريكي، تبقى اعتداءً مداناً لا يبرره شيء، ويجب أن ينال مرتكبوه العقاب الذي يستحقونه وفق القانون. لكن تحويلها فوراً إلى منصة لتغذية العداء بين الشعبين، وتجاهل حقيقة أن الطفل نفسه كان يشجع المنتخب المغربي مع أصدقائه المغاربة، يكشف أن بعض الأطراف كانت تبحث عن رواية سياسية أكثر من بحثها عن الحقيقة.
المؤلم أن بعض الخطابات تجاهلت تماماً أن وسيم لم يكن يهتف ضد المغرب، بل كان يهتف له. ولم يكن يحمل أي عداء للمغاربة، بل حضر معهم وشجع معهم وتقاسم معهم فرحة كرة القدم. هذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط الرواية التي تحاول تصوير العلاقة بين الشعبين على أنها عداوة أبدية.
إن من يستغل طفلاً بريئاً لإعادة إنتاج خطاب الانقسام، لا يدافع عن الطفل، بل يستثمر في مأساته. أما الرسالة التي بعث بها وسيم دون أن ينطق بها، فهي أقوى من كل الخطب: يمكن لطفل جزائري أن يعشق منتخب بلده، ويشجع المنتخب المغربي في الوقت نفسه، دون أن يرى في ذلك أي تناقض.
الفرق بين الأطفال والكبار، أن الأطفال يولدون على الفطرة، بينما يحتاج بعض السياسيين إلى خصومة دائمة حتى يبرروا استمرار خطابهم. الأطفال يبنون الجسور، أما محترفو الأزمات فلا يعيشون إلا على هدمها.
وفي النهاية، ستأخذ العدالة مجراها، وسيحاسب كل من يثبت تورطه في هذا الاعتداء وفق القانون، أما الحقيقة التي لن يستطيع أحد طمسها، فهي أن وسيم لم يكن يحمل سوى حب كرة القدم، وحب بلدين يجمعهما أكثر مما يفرقهما.
سيبقى وسيم مجرد طفل أحب كرة القدم، بينما سيظل التاريخ يذكر أولئك الذين حاولوا تحويل دموع الأطفال إلى وقود لمعارك سياسية. فالأوطان تُبنى بالمحبة، أما الفتن فلا تنتج إلا مزيدًا من الجدران بين شعوب لم تختر يومًا أن تكون أعداء.
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

