وزير الاتصال الجزائري… والهروب إلى الخارج

خارج الحدود

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

حين يُدار الفشل بخطاب الاتهام :

مرة أخرى، لا تمرّ هزيمة رياضية في الجزائر دون أن تتحول إلى قضية سياسية، ولا يمرّ إخفاق في المستطيل الأخضر دون أن يُستدعى “العدو الخارجي” ليؤدي دوره المألوف. فبعد إقصاء المنتخب الجزائري من كأس أمم إفريقيا، لم يتأخر الخطاب الرسمي في البحث عن شماعة، وكانت الوجهة هذه المرة المغرب، البلد المنظم، الذي وُجّهت إليه اتهامات ثقيلة لا تليق لا بالرياضة ولا بمستوى الخطاب المفترض في دولة.
تصريحات وزير الاتصال الجزائري، التي اتهم فيها جهات بالتلاعب و”اللصوصية”، لم تكن مجرد انفعال لحظة، بل تعبيرًا عن منهج متكرر في إدارة الإخفاق: بدل الاعتراف بالفشل وتحليله بجرأة، يتم القفز مباشرة إلى منطق المؤامرة، وتحويل الخسارة إلى ظلم متعمد، والخصم الرياضي إلى خصم سياسي.
من حق أي منتخب أو دولة أن تحتج على التحكيم، وأن تطالب بتوضيحات، فهذا جزء من اللعبة. لكن ما ليس مقبولًا هو تسييس الهزيمة، وإقحام صراعات إقليمية في منافسة رياضية يفترض أن تكون مجالًا للتنافس الشريف، لا ساحة لتفريغ الأزمات.
المثير للقلق أن هذا الخطاب لا يبقى حبيس التصريحات الرسمية، بل يجد طريقه بسرعة إلى الإعلام العمومي، حيث يُعاد إنتاجه وتضخيمه، فيتحول الإعلام من فضاء للنقاش والتحليل إلى مجرد مكبر صوت للانفعال الرسمي. وبهذا تُغلق كل أبواب النقد الذاتي، وتُقصى الأسئلة الحقيقية: لماذا تراجع الأداء؟ أين الخلل في التسيير؟ ولماذا تتكرر الإخفاقات؟
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يُوجَّه أساسًا للاستهلاك الداخلي، في محاولة واضحة لإعادة توجيه غضب الشارع. فبدل أن ينشغل الرأي العام بمساءلة المسؤولين عن الرياضة، أو عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، يُدفع نحو معركة وهمية مع “خصم خارجي”، وكأن المشكلة دائمًا في الآخرين، لا في السياسات ولا في الخيارات.
وفي خضم هذا كله، تُنسى حقيقة بسيطة: الشعوب لا تعادي بعضها بهذا الشكل. الجزائري والمغربي، خارج حسابات السلطة، لا يحتاج إلى مباراة كرة قدم ليكتشف عداءً مصطنعًا. لكن الإصرار على خطاب التحريض يراكم الاحتقان، ويصنع وعيًا هشًا، قائمًا على الانفعال لا على الفهم.
الرأي هنا ليس دفاعًا عن طرف ضد آخر، بل دعوة صريحة إلى عقلنة الخطاب. فالدول القوية لا تُقاس بقدرتها على اختلاق الخصوم، بل بقدرتها على مواجهة إخفاقاتها بصدق. والرياضة، مهما كانت شعبيتها، لا يجب أن تتحول إلى أداة لإدارة الأزمات السياسية أو النفسية للمجال العام.
الهزيمة في مباراة يمكن تجاوزها، أما الهزيمة في الخطاب، فهي أخطر، لأنها تُربك الوعي، وتُعطل النقد، وتؤجل الإصلاح.