بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في خضم التغيرات المناخية المتسارعة والتحديات المائية المتزايدة، يبرز مشروع “النهر الصناعي” كمبادرة استراتيجية طموحة تهدف إلى تأمين مستقبل المياه في المغرب. هذا المشروع، الذي يقترح ربط الأحواض الشمالية الغنية بالمياه بأقاليم الجنوب والجزر الداخلية القاحلة، ليس مجرد فكرة حالية، بل امتداد لمسيرة طويلة من الاستثمار في البنية التحتية المائية التي بدأها المغرب منذ عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله، واستكملها جلالة الملك محمد السادس نصره وأيده بخطط تطويرية متقدمة.
شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة فيضانات مفاجئة في الشمال والغرب، بينما تعاني مناطق الجنوب والوسط من نقص حاد في المياه، ما يبرز المفارقة التي تواجهها المملكة: فائض مائي قصير الأمد في الشمال مقابل شح دائم في الجنوب. ويطرح مشروع النهر الصناعي حلاً طويل الأمد، يقوم على إنشاء شبكة ضخمة من القنوات والأنفاق ومحطات الضخ، لنقل المياه من أحواض مثل سبو وأبي رقراق وأم الربيع إلى المناطق التي تعاني عجزًا هيكليًا في الموارد، مع ضمان توزيع عادل ومستدام للمياه بين الجهات.
ويتميز المشروع بميزة إضافية هامة، وهي استغلال المياه التي تضيع حاليًا عبر الأنهار وتصب في البحر، ما يحوّل جزءًا كبيرًا من الموارد المائية المهدرة إلى مخزون استراتيجي يُستخدم للشرب والزراعة، وبالتالي تعزيز كفاءة استثمار هذا المورد الحيوي.
خبراء الموارد المائية يؤكدون أن المشروع سيمكن المغرب من تعزيز الأمن المائي، دعم الزراعة في مناطق شبه صحراوية، تخفيف الضغط على الفرشات المائية المستنزفة، وتحويل الفيضانات من خطر إلى مورد يمكن التحكم فيه واستثماره. كما يشكل هذا المشروع خطوة نوعية نحو تحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى المياه، وهو هدف طالما حرصت عليه المملكة في سياساتها التنموية.
التجربة المغربية في إدارة الموارد المائية راسخة وثرية بالإنجازات: فمنذ عهد الملك الحسن الثاني رحمهالله، تم بناء سدود كبرى مثل سد المسيرة وسد محمد الخامس، وتطوير محطات ضخ ومشاريع ربط مائي محدودة بين الأحواض، ما ساهم في تأمين مياه الشرب ودعم الزراعة في المناطق الرئيسية. وعهد جلالة الملك محمد السادس دام له النصر و التأييد شهد تسريع وتيرة الاستثمارات في هذا الميدان، من خلال تشييد سدود جديدة، محطات تحلية مياه، ومشاريع حديثة لإعادة استخدام المياه العادمة، بما يعكس رؤية شاملة لاستدامة الموارد المائية.
إن مشروع النهر الصناعي ليس مجرّد بنية تحتية، بل رؤية متكاملة للتحكم في دورة المياه الوطنية، تستفيد من الفائض الموسمي في الشمال وتوفر مخزونًا استراتيجيًا على مدار السنة للشرب والزراعة. كما يمكن استثمار جزء من المشروع لتخفيف ضغط الفيضانات في النقاط الساخنة، وتحويل الماء من عامل تهديد إلى أداة للوقاية والتنمية.
الدروس المستفادة من تجارب دولية مثل الربط بين حوضي التاخو وسيغورا في إسبانيا، أو نقل مياه مرتفعات ليسوتو إلى جنوب إفريقيا، تؤكد أن مشاريع النقل المائي الكبرى قابلة للتحقيق، شرط توفر حكامة دقيقة، صيانة مستمرة، واستراتيجيات بيئية متكاملة.
اليوم، يُطرح على المغرب فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة الماء على أسس جديدة، تعزز التضامن بين الجهات، وتضمن الأمن المائي في مواجهة التغيرات المناخية. فبينما تستمر الفيضانات في الشمال والجفاف في الجنوب، يصبح النهر الصناعي مشروعاً وطنياً ذا بعد تنموي واستراتيجي، يربط بين الماضي المائي الغني والآفاق المستقبلية الواعدة.
باختصار، إن المغرب، بتاريخه الحافل في بناء السدود، محطات التحلية، ومشاريع الربط المائي، مهيأ اليوم لتجسيد رؤية “النهر الصناعي” كأداة لتحقيق أمن مائي شامل، واستثمار المياه المهدرة في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجعل كل قطرة ماء مورداً يحفظ الحياة ويعزز الاستقرار.
