قال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إن قرار بلاده مغادرة منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” جاء ضمن رؤية استراتيجية تستند إلى قناعة بأن العالم يقترب من “خريف عصر الهيدروكربونات”، في إشارة إلى مرحلة قد يتراجع فيها الطلب العالمي على النفط تدريجيا مع توسع التحول الطاقي.
وجاءت تصريحات قرقاش خلال مشاركته في منتدى “غلوبسيك” بالعاصمة التشيكية براغ، حيث أوضح أن الإمارات تريد تعظيم عائداتها النفطية ما دامت السوق العالمية ما تزال تمنح النفط موقعا اقتصاديا أساسيا. ووفق وكالة “رويترز”، دخل خروج الإمارات من “أوبك” حيز التنفيذ في فاتح ماي 2026، منهيا ما يقارب ستة عقود من عضوية أبوظبي في المنظمة.
وتقوم المقاربة الإماراتية، كما قدمها قرقاش، على فكرة واضحة: إذا كان العالم يتجه نحو تقليص الاعتماد على النفط، فإن الدول المنتجة التي تملك طاقة إنتاجية مرتفعة ستسعى إلى تحويل هذه القدرة إلى عائدات واستثمارات قبل أن تتغير قواعد السوق بشكل أعمق.
وتخطط الإمارات، بحسب المعطيات التي أوردتها “رويترز”، لرفع طاقتها الإنتاجية من النفط من 4.85 ملايين برميل يوميا إلى 5 ملايين برميل يوميا بحلول سنة 2027، بعدما كانت حصص “أوبك” تقيد إنتاجها في حدود تقارب 3.5 ملايين برميل يوميا.
منطق الإمارات: ضخ أكبر قبل تراجع الطلب
لا تقدم الإمارات خروجها من “أوبك” كقطيعة مع سوق النفط، بل كإعادة ترتيب للأولويات. فالدولة، التي استثمرت طويلا في رفع طاقتها الإنتاجية، ترى أن القيود الجماعية داخل المنظمة لم تعد تنسجم مع حجم قدرتها الفعلية على الإنتاج، ولا مع تصورها لمستقبل الطلب العالمي.
وكان وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي قد أكد، في وقت سابق، أن الخروج من “أوبك” و”أوبك+” قرار سيادي واستراتيجي، وليس خطوة سياسية، موضحا أنه جاء بناء على تقييم شامل لسياسة الإنتاج والقدرات المستقبلية للدولة.
بهذا المعنى، لا يتعلق القرار فقط برغبة في إنتاج كميات أكبر من النفط، بل بمحاولة استثمار آخر مراحل الطلب القوي نسبيا على الخام من أجل تمويل اقتصاد أكثر تنوعا، قبل أن تصبح المنافسة على الأسواق أكثر حدة في مرحلة ما بعد النفط.
ضربة رمزية لنفوذ أوبك
يحمل خروج الإمارات من “أوبك” وزنا رمزيا كبيرا، لأن أبوظبي كانت من المنتجين البارزين داخل المنظمة، ولأن القرار جاء في ظرف حساس بالنسبة لأسواق الطاقة، مع استمرار التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.
وتشير “رويترز” إلى أن التأثير الفوري للقرار قد يبقى محدودا بسبب اضطراب صادرات المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، غير أن الخطوة يمكن أن تضعف نفوذ “أوبك” على المدى الطويل إذا فضلت دول منتجة أخرى حرية الإنتاج على الالتزام بحصص جماعية.
وتؤكد الإمارات، في المقابل، أنها ما تزال حريصة على استقرار سوق الطاقة، لكنها تريد التحرك من خارج القيود التي كانت تحدد حجم إنتاجها داخل المنظمة.
النفط بين السياسة والاقتصاد
لا تنفصل تصريحات قرقاش عن الوضع الإقليمي المتوتر. ففي تصريحات أخرى خلال المنتدى نفسه، تحدث المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات عن احتمال التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، مقدرا فرصه بـ”50-50”، ومحذرا من العودة إلى القتال ومن استمرار توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية.
وتزداد أهمية مضيق هرمز لأنه ممر حيوي للطاقة العالمية. وتشير “رويترز” إلى أن المضيق يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا، ما يجعل أي اضطراب طويل فيه عاملا مؤثرا على التجارة والطاقة في العالم.
ومن هذه الزاوية، يبدو قرار الإمارات أكثر من خطوة اقتصادية داخل سوق النفط. فهو يدخل ضمن محاولة إعادة تموضع أوسع في منطقة تتقاطع فيها الطاقة مع الأمن والسياسة والتحالفات.
لماذا يهم هذا الموضوع المغرب؟
بالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر بخبر نفطي بعيد. فأي تغير في سياسات الدول المنتجة الكبرى يمكن أن ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أسعار الطاقة، وكلفة الاستيراد، وأسعار النقل، وبعض المواد الأساسية.
وإذا كانت الإمارات تراهن على تعظيم عائداتها النفطية قبل تراجع الطلب العالمي، فإن الدول المستوردة للطاقة، ومنها المغرب، تنظر إلى التحول من زاوية مختلفة: كيف يمكن تقليل هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات النفط؟ وكيف يمكن تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة والكفاءة الطاقية والنقل الأقل كلفة لتخفيف أثر الصدمات الخارجية؟
وتزداد هذه الأسئلة أهمية في فترات التوتر الجيوسياسي، حيث لا تتحرك أسعار النفط بناء على العرض والطلب فقط، بل تتأثر أيضا بالممرات البحرية، والمفاوضات السياسية، ومخاوف الأسواق من تعطل الإمدادات.
نهاية عصر النفط لا تعني نهايته غدا
رغم قوة عبارة “خريف عصر الهيدروكربونات”، لا يعني ذلك أن النفط سيختفي قريبا من الاقتصاد العالمي. فالخام ما يزال حاضرا في النقل والصناعة والبتروكيماويات، كما أن الأزمات الجيوسياسية قادرة على رفع أسعاره في أي لحظة.
المقصود، في قراءة تصريحات قرقاش، هو أن زمن الاعتماد المطلق على النفط كمصدر طويل الأمد للنفوذ والدخل يقترب من مرحلة مختلفة، بفعل توسع الطاقات المتجددة، والتحول نحو الكهرباء، ومحاولات الدول الصناعية تقليص الانبعاثات.
لذلك تبدو الإمارات كأنها تختار استراتيجية مزدوجة: ضخ أكبر اليوم، واستثمار العائدات في اقتصاد الغد. ومن هذه الزاوية، لا تبدو تصريحات قرقاش مجرد دفاع عن قرار الخروج من “أوبك”، بل إعلانا عن قراءة إماراتية لمرحلة جديدة في سوق الطاقة، حيث لن يكون السؤال فقط: كم ننتج من النفط؟ بل: كيف نحول عائداته إلى قدرة اقتصادية لما بعد النفط؟
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله