لم يعد النقاش حول الساعة القانونية في المغرب مرتبطا فقط بقرار تقني يهم ضبط التوقيت، بل أصبح مرتبطا بتفاصيل يومية يعيشها المواطنون داخل البيوت، والمدارس، والإدارات، والمقاولات، ووسائل النقل.
فبعد مصادقة مجلس الحكومة، اليوم الخميس، على مشروع المرسوم رقم 2.26.530 المتعلق بالساعة القانونية، يتجه المغرب نحو مرحلة جديدة عنوانها البارز: العودة إلى التوقيت الزمني المتوسط لخط غرينتش، من خلال تأخير الساعة بستين دقيقة ابتداء من فجر الأحد 20 شتنبر 2026.
قرار يتجاوز عقارب الساعة
ينص مشروع المرسوم على الرجوع إلى الساعة القانونية المحددة في تراب المملكة وفق التوقيت الزمني المتوسط لخط غرينتش، وذلك بالاستناد إلى المرسوم الملكي رقم 455.67 الصادر في 2 يونيو 1967 بشأن الساعة القانونية.
وبموجب هذا القرار، سيتم تأخير الساعة بستين دقيقة عند حلول الساعة الثانية صباحا من يوم الأحد 20 شتنبر 2026، وهو ما يعني عمليا الرجوع إلى توقيت غرينتش بعد سنوات من اعتماد الساعة الإضافية.
غير أن الأهم في هذا القرار لا يكمن فقط في تحريك عقارب الساعة إلى الوراء، بل في انعكاسه المباشر على إيقاع الحياة اليومية للمغاربة.
المدارس في قلب التأثير
من بين أكثر القطاعات التي ظل النقاش حول الساعة الإضافية يلامسها، قطاع التعليم.
فالعودة إلى توقيت غرينتش قد يكون لها أثر مباشر على مواعيد دخول التلاميذ إلى المؤسسات التعليمية، خصوصا خلال فصل الشتاء، حيث كان موضوع الخروج المبكر في الصباح والظلام يثير نقاشا واسعا وسط الأسر.
وبهذا المعنى، فإن القرار قد يعيد ترتيب علاقة الزمن المدرسي بالحياة الأسرية، خاصة بالنسبة للأطفال الصغار، والتلاميذ الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى مؤسساتهم التعليمية.
الإدارات والمقاولات أمام إعادة الضبط
لن يقتصر أثر الرجوع إلى توقيت غرينتش على المدارس فقط، بل سيمتد إلى الإدارات العمومية والمقاولات والقطاع البنكي وشركات النقل والخدمات.
فكل هذه القطاعات ستكون مطالبة بإعادة ضبط أنظمتها وبرامجها ومواعيدها بما ينسجم مع الساعة القانونية الجديدة.
كما أن المؤسسات التي تعتمد أنظمة معلوماتية مرتبطة بالتوقيت الرسمي، من حجوزات، ومواعيد إدارية، وبرامج عمل، ومعاملات رقمية، ستكون معنية بتحديث منظوماتها قبل موعد دخول المرسوم حيز التطبيق.
النقل والمواعيد اليومية
القرار ستكون له أيضا انعكاسات على النقل العمومي، والرحلات الجوية، ومواعيد القطارات والحافلات، وكل الخدمات التي ترتبط بالزمن بشكل مباشر.
ومن المنتظر أن تتطلب المرحلة السابقة ليوم 20 شتنبر 2026 تواصلا واضحا مع المواطنين، حتى لا يقع ارتباك في المواعيد، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الدقة الزمنية.
فالتغيير يبدو بسيطا من حيث الشكل، لكنه قد يخلق إرباكا إذا لم ترافقه حملات إخبارية وتوضيحية كافية.
نسخ مرسوم 2018.. نهاية مرحلة
ينص مشروع المرسوم الجديد على نسخ المرسوم رقم 2.18.855 الصادر في 26 أكتوبر 2018، والذي تم بموجبه إضافة ستين دقيقة إلى الساعة القانونية للمملكة.
وهذا المعطى يمنح القرار بعدا رمزيا، لأنه لا يتعلق بتعديل مؤقت أو رجوع مرحلي للساعة، بل بإنهاء الإطار الذي كرس العمل بالساعة الإضافية بشكل مستمر.
وبذلك، يكون المغرب أمام تحول واضح في تدبير الزمن الرسمي، بعد مرحلة امتدت لسنوات وأثارت خلالها الساعة الإضافية نقاشات اجتماعية واقتصادية متعددة.
سؤال التأقلم قبل التنفيذ
رغم أن تاريخ التطبيق محدد في 20 شتنبر 2026، فإن المسافة الزمنية الفاصلة عن هذا الموعد تمنح الإدارات والمؤسسات والمواطنين فرصة للاستعداد.
وسيكون الرهان الأساسي هو جعل الانتقال إلى توقيت غرينتش سلسا، دون ارتباك في المواعيد أو الخدمات أو البرمجة اليومية.
كما أن وضوح التواصل الرسمي سيكون ضروريا، خصوصا مع اقتراب موعد تأخير الساعة، حتى يعرف المواطنون بدقة متى سيتم التغيير، وكيف سينعكس على مواعيد العمل والدراسة والتنقل.
عودة غرينتش ونهاية جدل طويل
طيلة السنوات الماضية، ظل موضوع الساعة الإضافية حاضرا بقوة في النقاش العمومي، بين من اعتبرها إجراء ضروريا لاعتبارات اقتصادية وتنظيمية، ومن رأى أنها أربكت الحياة اليومية، خاصة لدى الأسر والتلاميذ.
ومع مشروع المرسوم الجديد، يعود المغرب إلى نقطة مختلفة في تدبير الساعة القانونية، عنوانها الرجوع إلى توقيت غرينتش باعتباره المرجع الأصلي للساعة القانونية بالمملكة.
ولا يعني ذلك نهاية كل النقاشات المرتبطة بالزمن المدرسي والإداري والمهني، لكنه يفتح مرحلة جديدة ستكون فيها الأنظار موجهة إلى كيفية تنزيل القرار، ومدى قدرته على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية المرتبطة بإيقاع اليوم المغربي.
مرحلة جديدة في تدبير الزمن الرسمي
عودة المغرب إلى توقيت غرينتش ليست مجرد تعديل تقني، بل خطوة ستعيد ترتيب مواعيد يومية كثيرة، من المدرسة إلى الإدارة، ومن المقاولة إلى النقل، ومن الخدمات الرقمية إلى الحياة الأسرية.
ومع اقتراب موعد الأحد 20 شتنبر 2026، سيصبح السؤال المطروح ليس فقط: متى سيعود المغرب إلى غرينتش؟ بل أيضا: كيف سيتم تدبير هذا الانتقال حتى يمر دون ارتباك؟

