تعيش جهة سوس ماسة، خصوصاً خلال الربيع والصيف، على إيقاع مهرجانات وتظاهرات تجمع الموسيقى والفضة واللوز وأحواش والسينما والتراث الأمازيغي والمنتوجات المجالية، وتمتد من أكادير إلى تيزنيت وتارودانت وتافراوت واشتوكة آيت باها وطاطا.
ويعكس هذا الزخم حيوية ثقافية واضحة، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً لم يعد ممكناً اختزاله في صور الجمهور والمنصات: ماذا تربح المدن فعلياً من مهرجانات سوس ماسة، وكم تستفيد الفنادق والتعاونيات والتجارة والنقل والصناعة التقليدية والفنان المحلي؟
فالمهرجان قد يكون أداة للتسويق الترابي وإنعاش السياحة، لكنه لا يتحول إلى استثمار عمومي ناجح إلا عندما يكون أثره قابلاً للقياس، وتصبح ميزانيته ومصادر تمويله ونتائجه الاقتصادية والثقافية متاحة للنقاش.
أكثر من 30 مهرجاناً في جهة واحدة
تشير المعطيات الواردة في وثيقة «سوس ماسة بالأرقام» إلى احتضان الجهة أكثر من 30 مهرجاناً كبيراً، إلى جانب ثمانية متاحف وسبعة مسارح و33 مكتبة عمومية و15 مركباً وداراً للثقافة، فضلاً عن عشرة أروقة فنية وقاعات عرض ومعهدين موسيقيين بلديين.
وتكشف هذه المؤشرات أن المهرجانات أصبحت جزءاً من البنية الثقافية والترويجية للجهة، وليست مجرد أنشطة هامشية. لكن ارتفاع عددها يفرض أسئلة تتعلق بوظيفة كل تظاهرة، والفئة المستفيدة منها، ومدى ارتباطها باستراتيجية سياحية أو اقتصادية واضحة.
فالعدد وحده لا يكفي لإثبات النجاح، كما أن استمرار دورة سنوية لا يعني بالضرورة أن المهرجان يحقق الأهداف التي خُصصت له الموارد والإمكانات.
السياحة تنمو وحصة المهرجانات غير واضحة
بحسب الأرقام الواردة، استقبل المغرب خلال سنة 2025 نحو 19,8 مليون سائح، بزيادة 2,4 مليون مقارنة مع سنة 2024، فيما بلغت مداخيل السياحة بالعملة الصعبة 138 مليار درهم، بارتفاع نسبته 21 في المائة مقارنة مع 2024 و75 في المائة مقارنة مع 2019.
وعلى المستوى الجهوي، سجلت وجهة أكادير وتغازوت خلال سنة 2025 أكثر من 1,5 مليون وافد سياحي، بزيادة 9 في المائة، وتجاوزت 6,3 ملايين ليلة سياحية، بنمو بلغ 7,65 في المائة، فيما تجاوز معدل ملء مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة 66 في المائة.
وتعكس هذه الأرقام دينامية سياحية مهمة، لكنها لا تكشف بصورة منفصلة عدد السياح الذين اختاروا الوجهة بسبب مهرجان معين، ولا عدد الليالي الإضافية أو المداخيل التجارية التي حققتها كل تظاهرة.
وبذلك تبقى الحلقة الناقصة هي الانتقال من المؤشرات العامة للوجهة إلى قياس أثر كل مهرجان على حدة.
مهرجانات سوس ماسة بين الهوية والوظيفة الاقتصادية
تختلف طبيعة المهرجانات بالجهة، وبالتالي لا يمكن تقييمها جميعاً بالمؤشرات نفسها. فالمهرجان الموسيقي الكبير تختلف أهدافه عن تظاهرة مرتبطة بمنتوج مجالي أو حرفة تقليدية.
يمثل مهرجان تيميتار بأكادير واجهة فنية تربط الثقافة الأمازيغية بموسيقى العالم، بينما يرتبط مهرجان تيميزار في تيزنيت بالصناعة الفضية وقيسارية المجوهرات والحرفيين. ويرتبط مهرجان اللوز في تافراوت بمنتوج فلاحي مجالي وبالتعاونيات والسياحة الجبلية، في حين يقدم مهرجان تيفاوين نموذجاً يرتبط بالثقافة القروية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وتمنح هذه الخصوصيات كل مهرجان فرصة لتجاوز السهرة الفنية نحو خلق دورة اقتصادية محلية، شرط تحديد الوظيفة الأساسية للتظاهرة وقياس مدى تحققها بعد انتهاء كل دورة.
تيميتار.. صورة أكادير وحساب الأثر
انطلق مهرجان تيميتار، وفق المعطيات الواردة، سنة 2004 تحت شعار «الفنانون الأمازيغ يرحبون بموسيقى العالم»، وتحول إلى إحدى أبرز الواجهات الفنية لمدينة أكادير وجهة سوس ماسة.
وتشير معطيات منشورة ضمن المادة الأصلية إلى أن دورة سنة 2010 جذبت نحو 500 ألف متفرج خلال أربعة أيام، بينما يقدر الحضور السنوي في معطيات أخرى بنحو 200 ألف مهرجاني.
ويعود تيميتار في دورته الحادية والعشرين ما بين 23 و25 يوليوز 2026، ببرمجة تمتد بين ساحة الأمل ومسرح الهواء الطلق.
ويعتبر المدافعون عنه أنه يمنح أكادير حضوراً ثقافياً وإعلامياً، ويوفر عروضاً مجانية ويحرك المقاهي والنقل والفنادق. في المقابل، يطالب منتقدون بإظهار كلفته ومصادر تمويله وحصة الفنان المحلي والعائد الذي تحققه المدينة من تنظيمه.
وبين الموقفين، يظل نشر تقرير مفصل بعد كل دورة الوسيلة الأكثر دقة لتحديد ما إذا كان الحضور الجماهيري يتحول فعلاً إلى أثر اقتصادي وثقافي مستدام.
تيميزار واللوز.. حين يرتبط المهرجان بمنتوج محلي
يحمل مهرجان تيميزار للفضة في تيزنيت وظيفة اقتصادية وثقافية واضحة، بالنظر إلى ارتباطه بالصياغة الفضية والصناع التقليديين وقيسارية المجوهرات والمدينة العتيقة.
ويمكن قياس أثره من خلال عدد زوار معرض الفضة، وقيمة مبيعات الحرفيين، ونسبة الزوار القادمين من خارج تيزنيت، وحجم الرواج الذي تستفيد منه القيسارية والمطاعم ومؤسسات الإيواء.
وينطبق الأمر نفسه على مهرجان اللوز في تافراوت، الذي يرتبط بمنتوج ترابي وبالتعاونيات والسياحة الجبلية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
ولا يكفي، في مثل هذه التظاهرات، الإعلان عن عدد الحاضرين في السهرات، بل ينبغي قياس مبيعات المنتوج المحلي والحجوزات وعقود التسويق وحضور التعاونيات في الدورة الاقتصادية التي يصنعها المهرجان.
تيفاوين وتجربة الاقتراب من التقييم
تشير المادة الأصلية إلى أن مهرجان تيفاوين بتافراوت وأملن كان موضوعاً لدراسة منشورة في مجلة «Asinag» حول العلاقة بين المهرجان والتنمية في المجال الأمازيغي القروي.
كما نُقلت معطيات عن تحليل جامعي يرى أن التظاهرة تساهم في تنشيط الإيواء وخلق سوق للتعاونيات وتحريك تجارة المنتجات المجالية، وأن فترة المهرجان قد تمثل بالنسبة إلى بعض الحرفيين جزءاً مهماً من رقم معاملاتهم.
وتبرز أهمية هذا النوع من الدراسات في أنه ينقل المهرجان من دائرة الانطباعات إلى تقييم أثره على الدخل والبنيات والتعاونيات والحركة الاقتصادية المحلية.
السؤال المالي في صلب النقاش
لا ترتبط الإشكالية بغياب المهرجانات أو ضعف الحضور، وإنما بمحدودية نشر المعطيات المالية والاقتصادية المفصلة المرتبطة بكل دورة.
وتبقى أسئلة الميزانية ومصادر التمويل وحصة المال العام والمستشهرين ونفقات الفنانين والمنصات والتواصل والنقل واللوجستيك أساسية في تقييم أي تظاهرة تستفيد من دعم عمومي.
وتفيد المعطيات الواردة بأن وزارة الشباب والثقافة والتواصل أعلنت سنة 2025 دعم 177 مشروعاً من أصل 583 ملفاً، بغلاف إجمالي بلغ 9.045.000 درهم، موزعاً بين 127 مهرجاناً ثقافياً وفنياً و46 تظاهرة ثقافية وأربع جمعيات أو نقابات فنية شريكة.
غير أن هذا المعطى وطني ومجمل، ولا يكشف بصورة مباشرة نصيب جهة سوس ماسة أو حجم التمويل العمومي والخاص الموجه لكل مهرجان بالجهة.
أبرز المؤشرات والأسئلة المطروحة
| المؤشر | المعطى الوارد | ما يحتاج إلى قياس |
|---|---|---|
| المهرجانات الكبرى بالجهة | أكثر من 30 مهرجاناً | وظيفة كل مهرجان ونتائج تقييمه السنوي |
| السياحة في المغرب سنة 2025 | 19,8 مليون سائح و138 مليار درهم من المداخيل | نصيب المهرجانات من الجذب والمداخيل |
| وجهة أكادير وتغازوت | أكثر من 1,5 مليون وافد و6,3 ملايين ليلة | الليالي السياحية المرتبطة بكل تظاهرة |
| الدعم الثقافي الوطني | 9.045.000 درهم لفائدة 177 مشروعاً سنة 2025 | نصيب سوس ماسة ومصادر تمويل مهرجاناتها |
| الفنان المحلي | حضور متفاوت حسب البرامج | عدد المشاركين وتعويضاتهم وموقعهم في البرمجة |
| التجار والحرفيون | حديث عن رواج موسمي خلال بعض التظاهرات | حجم المبيعات وعدد المستفيدين وتوزيع العائد |
الفنان المحلي بين الحضور والاستفادة
يمثل موقع الفنان المحلي أحد أكثر جوانب النقاش حساسية، لأن إدراج اسمه في البرنامج لا يعني بالضرورة استفادته بصورة عادلة.
ولا يقتصر التقييم على عدد الفنانين المنحدرين من الجهة، بل يشمل توقيت مشاركتهم، وقيمة تعويضاتهم، وحضورهم في الحملات الترويجية، ومدى استفادتهم من التسجيل والتكوين وفتح فرص فنية جديدة.
فإذا كانت مهرجانات سوس ماسة تستند إلى الثقافة الأمازيغية والتراث المحلي في بناء هويتها، فإن مكانة الفنان المحلي داخل البرمجة والميزانية تظل مؤشراً أساسياً على مدى انسجام التظاهرة مع أهدافها المعلنة.
بين المنتقدين والمدافعين
يرى منتقدون أن بعض المهرجانات تُنظم في سياق تعرف فيه المدن والقرى حاجيات مرتبطة بالماء والصحة والتعليم والنقل والبنيات الأساسية، ويطالبون بكشف حصة المال العام والعائد المتحقق منه.
ولا يعني هذا الموقف بالضرورة رفض الثقافة، بل الاعتراض على تمويل تظاهرات لا تصدر عنها حصيلة مالية واقتصادية واجتماعية واضحة.
وفي المقابل، يعتبر المدافعون عن المهرجانات أنها استثمار في صورة المدن وجاذبيتها، وأنها تحرك الفنادق والمطاعم والمقاهي والنقل والتجارة والصناعة التقليدية، وتمنح المناطق حضوراً إعلامياً لا تستطيع الحملات التقليدية تحقيقه بسهولة.
غير أن الحسم بين الموقفين لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى أرقام منشورة تسمح بمعرفة ما تم إنفاقه وما تحقق فعلياً.
ماذا ينبغي أن يتضمن تقرير كل مهرجان؟
يتطلب الانتقال من «النجاح الجماهيري» إلى «الأثر المقاس» نشر تقرير بعد كل دورة يوضح على الأقل:
- عدد الزوار، ونسبة القادمين من خارج المدينة.
- نسبة ملء الفنادق ودور الضيافة خلال فترة المهرجان.
- قيمة أو تطور مبيعات التعاونيات والحرفيين والتجار.
- عدد الفنانين المحليين وتعويضاتهم وموقعهم في البرمجة.
- مصادر التمويل العمومي والخاص.
- توزيع النفقات الأساسية.
- الأثر الإعلامي والرقمي للتظاهرة.
- آراء الزوار والمهنيين والساكنة بعد انتهاء الدورة.
ولا تعني هذه المؤشرات اختزال الثقافة في الربح المالي، بل تمكين المواطنين والمنظمين والجهات الداعمة من تقييم ما تحقق، وتحديد النقائص التي ينبغي تصحيحها.
المهرجان ليس المشكلة.. غياب التقييم هو السؤال
تكشف كثرة مهرجانات سوس ماسة عن رصيد ثقافي وتراثي متنوع، كما توضح نماذج تيميتار وتيميزار واللوز وتيفاوين قدرة التظاهرات على التعريف بالمدن والمنتوجات المحلية والفنون الأمازيغية.
لكن تحقيق الحضور الجماهيري أو الانتشار الإعلامي لا يعفي المنظمين والجهات الداعمة من تقديم حصيلة قابلة للمراجعة، توضح استفادة الاقتصاد المحلي والفنانين والحرفيين ومؤسسات الإيواء.
فالمطلوب ليس إلغاء المهرجانات أو وضع الثقافة في مواجهة التنمية، بل ربط الفرجة بأهداف معلنة ومؤشرات واضحة. وبعد إزالة المنصات وانتهاء الحفلات، يجب أن تعرف كل مدينة ماذا ربحت، ومن استفاد، وما الذي ينبغي تحسينه في الدورة المقبلة.

