تحولت اشتوكة آيت باها إلى واحد من أبرز أقطاب الفلاحة العصرية بجهة سوس ماسة، بفضل الضيعات الحديثة والبيوت المغطاة وإنتاج الطماطم والخضروات البكرية الموجهة إلى الأسواق الداخلية والخارجية.
غير أن قوة هذا النموذج التصديري تتزامن مع ضغط متزايد على الموارد المائية، في منطقة تأثرت بتوالي سنوات الجفاف وتراجع المخزون المائي، ما يجعل مستقبل الفلاحة العصرية باشتوكة آيت باها مرتبطاً بقدرتها على التوفيق بين التنافسية الاقتصادية والنجاعة المائية والأمن الغذائي.
أرقام تعكس قوة النموذج الفلاحي بسوس ماسة
بحسب المعطيات المؤسساتية الواردة، تعد جهة سوس ماسة أول منطقة مصدرة للحوامض والخضروات البكرية على الصعيد الوطني، إذ تساهم بـ85 في المائة من صادرات البواكر و65 في المائة من صادرات الحوامض.
وتسجل الجهة، وفق المصدر ذاته، تصدير 1.2 مليون طن من البواكر و650 ألف طن من الحوامض سنوياً، وهي أرقام تعكس الوزن الكبير للقطاع الفلاحي في الاقتصاد الجهوي وصلته المباشرة بالأسواق الخارجية.
وتبرز اشتوكة آيت باها داخل هذه المنظومة باعتبارها قطباً أساسياً لإنتاج الطماطم والخضروات، فيما تشير معطيات المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بسوس ماسة إلى أن مساحة الطماطم البكرية تبلغ 5.141 هكتاراً، بإنتاج يصل إلى 830 ألف طن.
أبرز مؤشرات الفلاحة العصرية باشتوكة وسوس ماسة
| المؤشر | الرقم | الدلالة |
|---|---|---|
| حصة سوس ماسة من صادرات البواكر الوطنية | 85% | الجهة تمثل قطباً رئيسياً في تصدير البواكر |
| حصة سوس ماسة من صادرات الحوامض الوطنية | 65% | وزن كبير للجهة في سلسلة الحوامض |
| البواكر المصدرة سنوياً من سوس ماسة | 1.2 مليون طن | حجم إنتاج وتصدير يربط الجهة بالأسواق الخارجية |
| الحوامض المصدرة سنوياً من سوس ماسة | 650 ألف طن | نشاط تصديري موازٍ لقطاع البواكر |
| مساحة الطماطم البكرية | 5.141 هكتاراً | مساحة مهمة داخل منظومة الفلاحة العصرية |
| إنتاج الطماطم البكرية | 830 ألف طن | إنتاج كثيف وعالي القيمة |
| قيمة صادرات الطماطم الطرية سنة 2024 | حوالي 14.943 مليار درهم | استمرار الوزن الاقتصادي للطماطم رغم التراجع عن 2023 |
| كلفة محطة تحلية اشتوكة آيت باها | نحو 4.4 مليار درهم | استثمار لتوفير الماء وحماية الموارد الجوفية |
| المساحة المستهدفة بالسقي بالماء المحلى | حوالي 15 ألف هكتار | تقليص الاعتماد على مياه الفرشة الجوفية |
الطماطم في واجهة النجاح التصديري
تشكل الطماطم إحدى أبرز واجهات الفلاحة العصرية باشتوكة آيت باها، إذ ترتبط بسلسلة اقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والتعبئة والتلفيف والتبريد والنقل والمراقبة الصحية والتصدير.
وتفيد معطيات تقرير التجارة الخارجية لسنة 2024، المنسوبة إلى مكتب الصرف، بأن قيمة صادرات المغرب من الطماطم الطرية بلغت حوالي 14.943 مليار درهم، مقابل 17.538 مليار درهم سنة 2023.
كما بلغت صادرات الخضر الطرية أو المجمدة أو المحفوظة في محلول ملحي حوالي 12.457 مليار درهم سنة 2024، بعدما سجلت 13.630 مليار درهم خلال السنة السابقة.
وتظهر هذه الأرقام استمرار الوزن الاقتصادي للمنتجات الفلاحية عالية القيمة، لكنها تكشف أيضاً حساسية القطاع لتقلبات الأسواق الخارجية والمناخ وكلفة الماء والطاقة والاشتراطات التجارية والصحية.
الماء في قلب معادلة الفلاحة العصرية باشتوكة
رفعت التقنيات الحديثة، من بيوت مغطاة وري موضعي وتسميد دقيق ومكننة، من قدرة المنطقة على الإنتاج والتصدير، لكنها لم تُلغ حاجتها إلى مورد مائي منتظم.
ووفق المعطيات الواردة في وثائق جهوية، تخضع منطقة اشتوكة آيت باها لضغط متزايد على مواردها المائية، فيما قُدر عجز الفرشة الجوفية بنحو 58 مليون متر مكعب.
وتضع هذه الوضعية النموذج الفلاحي أمام مفارقة واضحة؛ فهو ينتج قيمة اقتصادية وتشغيلية مهمة، لكنه يتحرك داخل مجال مائي محدود تزداد هشاشته مع توالي سنوات الجفاف.
التحلية تخفف الضغط ولا تلغي ضرورة الترشيد
جاء مشروع تحلية مياه البحر باشتوكة آيت باها بوصفه استجابة للضغط الذي تعرفه الفرشة الجوفية، بكلفة إجمالية تقارب 4.4 مليار درهم، وبهدف تأمين سقي حوالي 15 ألف هكتار عبر الماء المحلى.
وتشير المعطيات الواردة إلى استفادة نحو 1.500 استغلالية فلاحية من المشروع، مع توجيه الماء المحلى لحماية الفرشة الجوفية وتأمين الفلاحة ذات القيمة العالية، إلى جانب المساهمة في تزويد أكادير الكبير بالماء الصالح للشرب.
كما نُسب إلى مدير المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بسوس ماسة أن منطقة اشتوكة تعد أول منتج للبواكر وطنياً، بإنتاج سنوي يصل إلى 1.5 مليون طن، وتساهم بـ85 في المائة من الصادرات الوطنية للبواكر.
غير أن توفير الماء المحلى لا يلغي الحاجة إلى مراقبة الاستهلاك وتحسين المردودية المائية، لأن استدامة القطاع تظل مرتبطة بكمية القيمة الاقتصادية المنتجة مقابل كل متر مكعب مستعمل.
بين التصدير وحاجيات السوق الوطنية
تؤدي فلاحة اشتوكة آيت باها دوراً مزدوجاً، من خلال تزويد الأسواق الخارجية والمساهمة في تموين السوق الوطنية بالخضر والبواكر.
لكن النقاش يصبح أكثر حساسية عندما ترتفع الأسعار داخلياً أو يتراجع الإنتاج بسبب الجفاف أو ارتفاع الكلفة، إذ تبرز الحاجة إلى إيجاد توازن بين الالتزامات التصديرية وحاجيات المستهلك المغربي.
ولا يعني الأمن الغذائي، في هذا السياق، وقف التصدير أو تقليص قيمته الاقتصادية، بل ضمان وجود آليات تحمي السوق الوطنية من الندرة والارتفاعات الحادة، خصوصاً خلال الفترات المناخية الصعبة.
التغير المناخي يعيد ترتيب الأولويات
تراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة والضغط على السدود لم تعد عوامل ظرفية في سوس ماسة، بل أصبحت معطيات مؤثرة في اتخاذ القرار الفلاحي والمائي.
وتوضح الأرقام الواردة بشأن منشآت الجهة تعدد الاستعمالات المتنافسة على المورد نفسه، إذ يخصص سد يوسف بن تاشفين نظرياً 75 مليون متر مكعب لسقي مجال ماسة، و10 ملايين متر مكعب لتاسيلا، و5 ملايين متر مكعب لتزويد تيزنيت وسيدي إفني بالماء.
كما يخصص سد عبد المومن، وفق المعطيات ذاتها، 60 مليون متر مكعب لسقي 13 ألف هكتار، و9.5 ملايين متر مكعب لتزويد أكادير بالماء.
وعندما تتراجع الواردات المائية، يزداد التنافس بين حاجيات الشرب والفلاحة والسياحة والصناعة، ما يجعل حكامة الماء عنصراً حاسماً في مستقبل النموذج الفلاحي.
التنافسية لم تعد مرتبطة بالسعر وحده
جعل نجاح الطماطم المغربية في الأسواق الأوروبية القطاع موضوعاً لانتقادات من بعض المنتجين في فرنسا وإسبانيا، ترتبط، بحسب المعطيات الواردة، بالكلفة وشروط الإنتاج والمعايير الاجتماعية واستعمال الماء.
ولذلك لم تعد القدرة على المنافسة مرتبطة بالسعر والجودة التجارية فقط، بل أصبحت تشمل التتبع والبصمة المائية والكربونية وظروف العمل والسلامة الصحية وتأثير الإنتاج على الموارد الطبيعية.
وتجد اشتوكة آيت باها نفسها أمام مرحلة جديدة، تنتقل فيها من إثبات القدرة على الإنتاج والتصدير إلى إثبات استدامة هذا الإنتاج بيئياً واجتماعياً.
التشغيل جزء من استدامة النموذج
تساهم الضيعات العصرية ومحطات التلفيف والنقل والخدمات المرتبطة بها في خلق فرص شغل ومداخيل لفئات واسعة من العمال والعاملات.
لكن استدامة هذا التشغيل تظل مرتبطة بشروط العمل والنقل والسلامة المهنية والحماية الاجتماعية واستقرار الدخل، لأن قوة السلسلة الفلاحية لا تقاس بحجم الصادرات وحده، بل أيضاً بوضعية العاملين داخلها.
نحو فلاحة تنتج قيمة أكبر بماء أقل
لا يطرح مستقبل الفلاحة العصرية باشتوكة آيت باها الاختيار بين التصدير أو التخلي عنه، بل يفرض إعادة ضبط النموذج على أساس النجاعة المائية والتوازن بين الأسواق والحماية الاجتماعية.
ويشمل ذلك استعمال الماء المحلى بكفاءة، ومراقبة الاستهلاك، وتوسيع التقنيات الدقيقة، واختيار أصناف أكثر ملاءمة للموارد المتاحة، وتقليص الضياع وربط الدعم العمومي بالمردودية المائية إلى جانب المردودية الإنتاجية.
لقد أثبتت اشتوكة آيت باها قدرتها على الإنتاج والتصدير والاستثمار في التكنولوجيا. غير أن الامتحان المقبل سيكون في قدرتها على الحفاظ على هذه القوة في ظل تغير المناخ وندرة الماء، دون أن يتحول النجاح الاقتصادي إلى ضغط إضافي على الأمن الغذائي والموارد الطبيعية.

