في لحظات استثنائية من تاريخ الأمم، لا تصنع الصورة الحدث فحسب، بل تكشف أيضًا عن طبيعة القيم التي تحكم المجتمعات والدول. وبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى ملاعب مونديال 2026، خرجت من مدينة تازة صورة بسيطة لأطفال ثلاثة يتابعون مباراة المنتخب الوطني من نافذة منزل، ليكتبوا بعفويتهم واحدة من أجمل الحكايات الإنسانية التي رافقت الحدث الكروي العالمي.
لم يكن الأطفال يبحثون عن شهرة، ولا كانوا يدركون أن عدسة عابرة ستنقل صورتهم إلى ملايين المتابعين. كانوا فقط يمارسون حقهم الطبيعي في الحلم، ويعبرون بطريقتهم البريئة عن عشقهم للوطن وارتباطهم الراسخ بقميص المنتخب الوطني. لكن ما حدث بعد ذلك منح القصة بُعدًا أعمق، حين امتدت إليهم اليد الملكية الكريمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيّده، في التفاتة إنسانية نبيلة حولت لحظة عفوية إلى ذكرى خالدة في وجدانهم.
هذه المبادرة ليست مجرد هدية قُدمت لأطفال صغار، بل هي رسالة سياسية وإنسانية راقية مفادها أن الدولة القوية ليست تلك التي ترفع الشعارات فقط، وإنما تلك التي تملك القدرة على الإنصات لنبض شعبها، والاقتراب من تفاصيله الصغيرة، والاحتفاء بأحلام أطفاله. إنها فلسفة حكم تجعل الإنسان محور الاهتمام، وتجعل من البساطة قيمة وطنية تستحق التكريم.
وفي المقابل، يبرز في المنطقة نموذج آخر يقوم على استغلال الرموز الإنسانية والأطفال في معارك الدعاية والصراعات السياسية ( الطفل البريء وسيم ). فحين تتحول براءة الطفل إلى أداة للتوظيف الإعلامي أو مادة للاستهلاك السياسي، تفقد الرسالة الإنسانية جوهرها، ويصبح الطفل وسيلة بدل أن يكون غاية. وهنا يتجلى الفرق بين من يصنع الفرح للأطفال، ومن يوظف الأطفال لصناعة الرسائل السياسية.
إن الفرق بين المدرستين واضح للعيان؛ مدرسة تؤمن بأن الطفل مواطن صغير يجب أن تُصان أحلامه وتُحترم إنسانيته، ومدرسة أخرى تنظر إلى بعض القصص الإنسانية من زاوية المكاسب الدعائية والصراعات الإيديولوجية. الأولى تحتفي بالبراءة وتكافئها، والثانية تسعى إلى استثمارها.
لقد اختار الملك محمد السادس حفظه الله ، مرة أخرى، أن يكون قريبًا من نبض المغاربة، وأن يمنح لهذه القصة الإنسانية نهايتها الجميلة. فبدل أن تتحول صورة أطفال تازة إلى مجرد مادة للتداول العابر على منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت عنوانًا لقيم التضامن والرعاية والاهتمام بالأجيال الصاعدة. وهذا ما يفسر حجم التفاعل الشعبي الواسع مع هذه الالتفاتة الملكية التي لامست قلوب المغاربة قبل أن تصل إلى عيونهم.
ولعل أعظم ما في هذه المبادرة أنها أعادت التذكير بأن القيادة الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم القرارات الكبرى، بل أيضًا بقدرتها على ملامسة التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي تصنع الفرق في حياة الناس. فالطفل الذي كان يتابع المباراة من نافذة متواضعة وجد نفسه محاطًا بعناية ملكية، في مشهد يلخص فلسفة إنسانية كاملة قوامها القرب من المواطن والإنصات لأحلامه.
لقد كانت صورة أطفال تازة تعبيرًا صادقًا عن حب الوطن، فجاء الرد الملكي تعبيرًا صادقًا عن حب الإنسان. وبين الصورة والالتفاتة، كتبت المملكة المغربية درسًا جديدًا في المعنى الحقيقي للقيادة الإنسانية؛ قيادة لا ترى في الأطفال أدوات للخطاب، بل ترى فيهم مستقبل الوطن وأجمل ما فيه.
وهكذا، بينما تنشغل بعض الأنظمة بصناعة الصور لخدمة السياسة، يواصل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، صناعة الأمل لخدمة الإنسان. وبين من يستثمر في البراءة ومن يحميها، يبقى الفارق بحجم الفرق بين الدعاية والإنسانية، وبين الاستغلال والرعاية، وبين الحسابات السياسية النفعية وقيم الوفاء الإنساني النبيل.
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية



