ثمة أشياء في هذا الكون لا تخضع للمنطق بل تعلو عليه.. أشياء تبدو وكأنها تُطبخ على نار هادئة في مطبخ الأقدار الخفي لتُقدم في النهاية مكافأة مدهشة لمن يملكون شيئاً واحداً: السريرة الصافية..
فتأملوا معي هذه المفارقة الساحرة: منتخب كرة قدم يستقر في مقعد المتفرج الباسم لا يركض لاعبوه خطوة واحدة في الملعب ومع ذلك يستيقظ الصباح فيجد نفسه قد قفز في تصنيف “الفيفا” من المركز الثامن إلى السابع ثم السادس المنافسون والخصوم يتبارون في تقديم الهدايا له على طبق من ذهب وكأن الطبيعة كلها تحالفت لتسير في ركابه طوعاً. لسنا هنا أمام أرقام صماء… بل نحن أمام فلسفة روحية غامضة تختصرها السماء دائماً في قانونها الأزلي:
( على نياتكم ترزقون)
هو السر الربّاني الذي يجعل العالم يقع في حب هذا البلد وبهذه التوليفة العبقرية بين جلال التاريخ وكرم الجغرافيا وطيبة النفس البشرية.
في المونديال لم يكن المغرب يصدر كرة قدم للمتعة والركض بل كان يقدم دروساً بليغة في الإنسانية.. في تلك اللقطات المقدسة للاعبين يقبلون رؤوس أمهاتهم أمام كاميرات العالم معلنين أن قيم الشهامة والبر هي أسلوب حياة لا مجرد لقطة عابرة.
هذا المعدن الأصيل ليس مجرد شعار للاستهلاك بل هو جينات فطرية تجري في دماء أبناء هذا الوطن
هو نفس السلوك العفوي الذي جعل طالباً مغربياً مغترباً يلقي بنفسه في غيابات البحر الهائج لينقذ امرأة صينية من الغرق ثم ينفض الماء عن ثيابه وينصرف بهدوء وتواضع دون أن ينتظر كلمة شكر أو يلتفت لأضواء الشهرة.. فعل ذلك لأن ضميره الجمعي أملى عليه أن هذا مجرد واجب إنساني عادي
وليس بعيداً عن هذا النبل امتدت كيمياء السحر المغربي لتطأ أرض المكسيك…
مشهد فيه من نبل الفرسان الكثير حين تقدم النجم أشرف حكيمي ليدافع بصرامة وإنسانية عن صحافي مكسيكي هذه اللقطة العفوية أشعلت منصات التواصل هناك ولم تكن مجرد موقف عابر بل كانت “تأشيرة عبور” رسمية لقلوب شعب بأكمله ليتحول المكسيكيون منذ تلك اللحظة إلى عشاق يفتحون أذرعهم ترحيباً بالمنتخب المغربي وجماهيره في المونديال القادم وكأنهم يفرشون لهم بيتاً ثانياً يفيض بالحب.
هو الحبّ نفسه في هذه اللوحة البديعة في بلاد السامبا أب يرتدي قميص بلاده الأصفر بينما أبناؤه الثلاثة اختاروا بكامل براءتهم وعنادهم الطفولي أن يرتدوا قميص المغرب وقد كُتب على ظهورهم اسم اللاعب الخلوق “أشرف حكيمي”.
أليس هذا هو القبول الإلهي في أبهى تجلياته؟
تذكرتُ – وأنا أتأمل هذا المشهد – زمن شبابنا يوم كان ارتداء القميص الأصفر البرازيلي يمثل امتيازاً نادراً وحظوة اجتماعية لا تنالها إلا القلة لاري اليوم كيف غزا قميصنا الأحمر بنجمته الخضراء ساحات العالم…حتى في أزقة البرازيل نفسها بات الأطفال يركضون ويداعبون الكرة بذات القميص المغربي بل إن المتاجر الكبرى هناك أخطأت في تقدير حجم الشغف فوقعت في ورطة التخزين أمام طوفان الطلب على قميص الأسود!
ولأن هذا القبول لا يعترف بالقارات أو الحدود فقد عشنا مؤخراً تفاصيل “ترند” عالمي جارف استولى على مشاعر الملايين. بدأت القصة في مدرجات أمريكا عندما التقت عفوية مشجع مغربي بسيط بكاميرا مؤثرة برازيلية شهيرة. لم يكن الرجل يبحث عن عدسة الكاميرا بل كان مستغرقاً حتى النخاع في عشق خالص لفريقه الوطني.
هذا النقاء الروحي أسقط الجميلة البرازيلية في حب تفاصيله العفوية فطالبت جمهورها العريض بالبحث عن هذا الـ “محمد” الذي خطف عقلها وقلبها. ولم تكن المصادفة عابرة, بل كانت إشارة ربانية تجلت في حمل هذا الإنسان لاسم الرسول الأعظم.. الاسم الذي يحمل سر البركة والقبول في هذا الكون.
وفجأة تحول الأمر إلى إعصار رقمي يجتاح الأرض.. فمن طوكيو الصاخبة إلى أدغال الأمازون الصامتة لم نعد نسمع في الفضاء الإلكتروني سوى صدى نداء واحد:
(أينك يا محمد.. لقد غرقنا في حبك!).
أيها السادة..
إن المغرب اليوم يثبت للعالم أنه ليس مجرد رقعة على الخريطة أو أحد عشر لاعباً يجرون فوق عشب أخضر
هو “حالة وجدانية” فريدة وطاقة روحية تسري في عروق الإنسانية… فعندما يخدمك المنافسون وأنت في جلال الصمت… وعندما تصبح أبسط تفاصيل مواطنيك “ترنداً” عالمياً يبحث عنه سكان الأرض ــ سواء في نبل طالب ينقذ نفساً.. أو شهامة نجم يفتح أبواب قارة.. أو عفوية مشجع يسلب لب المدرجات..
فاعلم علم اليقين أن هناك سراً مكتوماً بين هذه الأرض والسماء..
اعلم أن هناك دعوات أمهات صالحات..
وبركة أرض أبت إلا أن تظل شامخة.. سخيّة
ومحبوبة من الله والعباد.
يوسف غريب كاتب صحفي

