لا تبدو منطقة التسريع الصناعي بسوس ماسة مجرد مشروع عقاري جديد لاستقبال المصانع. فهي، في عمقها الاقتصادي والاجتماعي، اختبار لقدرة الجهة على الانتقال من اقتصاد شديد الارتباط بالفلاحة والسياحة والخدمات الموسمية، إلى اقتصاد صناعي قادر على خلق فرص شغل أكثر انتظاما، خصوصا لفائدة الشباب والنساء وحاملي الشهادات.
تقع المنطقة بجماعة الدراركة، داخل عمالة أكادير إداوتنان، على مساحة إجمالية تبلغ 305 هكتارات، وفق منصة العقار الصناعي بالمغرب، التي تشير إلى أنها أُحدثت سنة 2019، وتوفر للمستثمرين وضعية منطقة حرة، وشباكا وحيدا، وعرضا عقاريا موجها للمشاريع الصناعية.
وتؤكد مجموعة CDG، الشريكة في المشروع عبر MEDZ، أن المنطقة تمتد على 305 هكتارات، مع شطر أول تبلغ مساحته 64 هكتارا، ومنطقة تسريع صناعي داخلية مساحتها 50 هكتارا، وهدف متوقع يتمثل في خلق 10 آلاف منصب شغل مباشر. وهذا رقم توقعي مهم، لكنه يحتاج مستقبلا إلى تتبع ميداني يوضح عدد المناصب التي تحققت فعلا.
لماذا يهم هذا المشروع سوس ماسة؟
تاريخيا، بنت سوس ماسة جزءا مهما من قوتها الاقتصادية على الفلاحة، والسياحة، والصيد البحري، والخدمات. غير أن هذه القطاعات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لامتصاص ضغط البطالة، خاصة في صفوف الشباب والنساء.
وتكشف المندوبية السامية للتخطيط، في مذكرة سوق الشغل بسوس ماسة لسنة 2024، أن الجهة خلقت 52 ألف منصب شغل بين 2023 و2024، منها 40 ألفا بالوسط الحضري و12 ألفا بالوسط القروي. كما انخفض معدل البطالة الجهوي من 13,5% إلى 12,3%، لكنه ظل مرتفعا لدى الشباب بين 15 و24 سنة بـ39,3%، ولدى النساء بـ23%، ولدى حاملي الشهادات بـ18,3%.
هذه الأرقام تجعل المنطقة الصناعية أكثر من مجرد مشروع تجهيز. فالجهة تحتاج إلى وظائف قارة، مؤهلة، وقابلة للتطور، لا إلى فرص موسمية فقط. ومن هنا تأتي أهمية الصناعة، لأنها تستطيع، إذا نجحت، أن تخلق مسارات مهنية في الإنتاج، الجودة، الصيانة، اللوجستيك، التبريد، التغليف، والمناولة.
24 ألف منصب في الطموح الصناعي الجهوي
ترتبط منطقة التسريع الصناعي بسوس ماسة بتنزيل جهوي لمخطط التسريع الصناعي. وتفيد وزارة الصناعة والتجارة بأن المشروع الصناعي لسوس ماسة يحمل طموح خلق 24 ألف منصب شغل جديد، مع تعبئة استثمارات تقارب مليار درهم، بهدف جعل الجهة قطبا اقتصاديا قادرا على خلق الشغل وتثمين الثروات المحلية ودعم القطاعات المنتجة.
هذا الرقم لا يعني أن منطقة التسريع وحدها خلقت هذه المناصب الآن، بل يندرج ضمن تصور صناعي جهوي أوسع. لذلك، من المهم تحريريا عدم الخلط بين مناصب متوقعة أو مستهدفة ومناصب محدثة فعليا. إلى حدود المعطيات المتاحة، المؤكد هو الطموح والبرمجة، أما الحصيلة الفعلية المفصلة فتحتاج إلى نشر رسمي دوري.
قطاعات مستهدفة.. من الفلاحة إلى السيارات
لا تستهدف منطقة التسريع الصناعي قطاعا واحدا. فالمركز الجهوي للاستثمار سوس ماسة يقدمها كفضاء موجها للصناعات ذات القيمة المضافة والمشاريع الموجهة للأسواق الدولية، مثل الصناعات الغذائية، الكيمياء وشبه الكيمياء، السيارات، الطاقات المتجددة، النسيج، ومواد البناء. كما يوضح أن المنطقة موجهة للمقاولات التي تحقق على الأقل 85% من رقم معاملاتها عند التصدير.
وتكمن قوة هذه الاختيارات في أنها تنسجم مع طبيعة الجهة. فسوس ماسة تمتلك قاعدة فلاحية قوية، وخبرة في التصدير، وميناء، ومطارا، ومجالا حضريا وجامعيا في أكادير. لذلك، يمكن للصناعات الغذائية، والتبريد، والتلفيف، واللوجستيك، والتحويل الفلاحي، أن تشكل امتدادا طبيعيا لاقتصاد الجهة بدل أن تبقى المواد الخام تغادر دون تثمين كاف داخل التراب الجهوي.
كما أن إدخال قطاعات مثل السيارات أو الطاقات المتجددة يفتح الباب أمام نوع آخر من التشغيل، قائم على التقنيين والعمال المؤهلين وسلاسل المناولة. لكن نجاح ذلك لن يتحقق بمجرد توفير الأرض، بل بقدرة الجهة على توفير تكوين مناسب وربط المقاولات المحلية بسلاسل التوريد.
السيارات تدخل خريطة سوس ماسة
من المؤشرات اللافتة دخول قطاع السيارات إلى المنطقة. فقد أعلنت وزارة الصناعة والتجارة سنة 2023 عن توقيع بروتوكولات واتفاقية إطار مع مجموعة LEONI لإطلاق 6 مشاريع استثمارية في قطاع السيارات بمنطقة التسريع الصناعي بسوس ماسة.
ويعني ذلك أن الجهة قد تبدأ في الانفتاح على صناعة أكثر ارتباطا بسلاسل القيمة العالمية، خصوصا في مجالات الكابلاج وإدارة الطاقة والبيانات داخل صناعة السيارات. وتعرّف LEONI نفسها كمزود عالمي لحلول ومنتجات وخدمات إدارة الطاقة والبيانات في صناعة السيارات، وتقول إنها تضم حوالي 86 ألف موظف في 21 بلدا، مع رقم معاملات موحد بلغ 3,9 مليارات يورو في 2025، وفق بيانات الشركة.
غير أن الأثر المحلي لهذا الاستثمار يجب أن يُقاس لاحقا بأرقام دقيقة: عدد العمال المصرح بهم، نسبة النساء، نوعية العقود، مستوى الأجور، حجم التكوين، وعدد المقاولات المحلية التي ستستفيد من المناولة.
الشغل الصناعي ليس رقما فقط
إذا وعدت منطقة التسريع الصناعي بآلاف المناصب، فإن السؤال الأهم هو نوعية هذه المناصب. هل ستكون وظائف قارة؟ هل توفر حماية اجتماعية؟ هل تسمح بالترقي المهني؟ هل تستفيد منها ساكنة الجهة فعلا؟ وهل ستفتح أبوابا للشباب والنساء وحاملي الشهادات؟
تظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن البطالة في سوس ماسة، رغم تراجعها سنة 2024، ما زالت مرتفعة لدى الفئات الهشة في سوق الشغل، خاصة الشباب والنساء. كما ارتفع حجم الشغل الناقص من 57 ألفا إلى 64 ألف شخص بين 2023 و2024، وارتفع معدل الشغل الناقص من 7,4% إلى 7,8%.
هذا يعني أن الجهة لا تحتاج فقط إلى “عدد مناصب”، بل إلى شغل لائق ومهيكل. فالمنطقة الصناعية يمكن أن تساهم في تقليص البطالة، لكنها لن تحل المشكلة إذا أنتجت وظائف ضعيفة الأجر، أو بعيدة عن سكن العمال، أو غير مرتبطة بمسار تكوين وترق واضح.
التكوين.. الحلقة التي ستقرر النجاح أو الفشل
منطقة التسريع الصناعي لن تغير سوق الشغل إذا لم تجد اليد العاملة المناسبة. فالمستثمر الصناعي يحتاج إلى عمال وتقنيين قادرين على احترام معايير الجودة، السلامة، المردودية، والانضباط الصناعي.
لذلك، ينبغي أن يتجه التكوين في الجهة نحو تخصصات مباشرة الصلة بالمصانع المستهدفة: الكابلاج، صيانة الآلات، مراقبة الجودة، اللوجستيك، التبريد الصناعي، الصناعات الغذائية، التعبئة والتغليف، السلامة المهنية، واللغات المهنية.
وهنا يجب ألا يبقى التكوين منفصلا عن المستثمرين. الأفضل أن تُبنى عروض التكوين على حاجيات المقاولات التي ستستقر بالمنطقة، وأن تُوقع اتفاقيات واضحة بين المنطقة الصناعية ومؤسسات التكوين المهني والجامعة والمقاولات. دون ذلك، قد يجد المستثمر صعوبة في التوظيف، وقد يبقى الشباب حاملا لشهادات لا يطلبها السوق.
النقل والسكن.. هل يستطيع العامل الوصول إلى المصنع؟
وجود المنطقة بجماعة الدراركة، قرب الطريق السيار A7 الرابط بين أكادير ومراكش والدار البيضاء، يمنحها موقعا مهما من حيث الربط الطرقي واللوجستيك، كما تؤكد منصة zones industrielles Souss Massa.
لكن التشغيل لا يتحقق فقط داخل أسوار المصنع. العامل يحتاج إلى حافلة، طريق آمن، كلفة تنقل مناسبة، ومواقيت ملائمة. وإذا كانت المنطقة تستهدف آلاف الوظائف، فإن السؤال العملي سيكون: كيف سيصل العمال يوميا من أكادير، إنزكان، آيت ملول، الدراركة، اشتوكة أو تارودانت؟ وهل ستكون كلفة التنقل مقبولة مقارنة بالأجر؟
أي منطقة صناعية لا تفكر في النقل والسكن والخدمات اليومية قد تخلق ضغطا جديدا بدل أن تخلق حلا. لذلك، يحتاج المشروع إلى ربط قوي بمنظومة النقل الحضري والجهوي، ومرافق قريبة للعمال، وخدمات صحية وغذائية وأمنية داخل محيط المنطقة.
اللوجستيك.. رافعة مساندة وليست تفصيلا
تحتاج الصناعة إلى لوجستيك قوي. وفي هذا السياق، برز مشروع المنطقة اللوجستيكية بالقليعة كعنصر مكمل لجاذبية سوس ماسة الصناعية. فقد أوردت مصادر إعلامية في 2025 أن المنطقة اللوجستيكية بالقليعة تطلبت استثمارا قدره 350 مليون درهم، وتندرج ضمن برنامج الوكالة المغربية لتنمية اللوجستيك في أفق 2028، مع تخطيط لتوسعة ثانية ترفع المساحة الإجمالية إلى 172 هكتارا.
وجود لوجستيك منظم قريب من المنطقة الصناعية يمكن أن يخفف كلفة النقل والتخزين، ويساعد على التصدير، ويخدم الصناعات الغذائية والسيارات ومواد البناء وباقي القطاعات المستهدفة. لكن هذا أيضا يحتاج إلى تنسيق بين المناطق الصناعية، الميناء، المطار، الطرق، وسلاسل التبريد.
ما الذي يمكن أن يتغير في الجهة؟
إذا نجحت منطقة التسريع الصناعي في استقطاب مستثمرين فعليين وتشغيل مصانع مستقرة، يمكن أن تحدث أربعة تحولات كبرى.
أولا، تنويع الاقتصاد الجهوي حتى لا تبقى سوس ماسة رهينة الفلاحة والسياحة والصيد فقط.
ثانيا، خلق شغل مهيكل لفائدة الشباب والنساء، خصوصا في المدن والضواحي القريبة من أكادير.
ثالثا، تثمين الإنتاج المحلي عبر تحويل جزء من المنتجات الفلاحية والبحرية داخل الجهة، بدل الاكتفاء بإرسالها خامة أو شبه خامة.
رابعا، تحريك المقاولات الصغرى والمتوسطة عبر المناولة والخدمات المرتبطة بالمصانع: النقل، الصيانة، التغليف، المطاعم، الأمن، التنظيف، والتوريد.
لكن هذه التحولات لا تحدث تلقائيا. فهي تحتاج إلى إدارة نشيطة للمنطقة، تسويق دولي، تبسيط إداري، وضوح عقاري، تكوين موجه، ونشر منتظم للحصيلة.
أسئلة يجب أن ترافق المشروع
حتى لا يبقى الحديث عن منطقة التسريع الصناعي في مستوى الوعود، تحتاج الجهة إلى نشر لوحة قيادة واضحة تتضمن مؤشرات عملية:
كم عدد المقاولات التي استقرت فعلا؟
كم منصب شغل أُحدث، وكم منها دائم؟
ما نسبة العمال من أبناء الجهة؟
ما نسبة النساء والشباب؟
ما القطاعات الأكثر تشغيلا؟
ما حجم الاستثمار المنجز وليس المعلن فقط؟
كم مقاولة محلية استفادت من المناولة؟
ما أثر المنطقة على البطالة في أكادير والدراركة وإنزكان وآيت ملول؟
هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية المشروع، بل تحميه من التحول إلى مجرد عنوان كبير دون قياس دقيق للأثر.
الخلاصة الصحافية
منطقة التسريع الصناعي بسوس ماسة تملك كل عناصر العنوان الكبير: 305 هكتارات، موقع استراتيجي في الدراركة، امتيازات للمستثمرين، قطاعات موجهة للتصدير، هدف 10 آلاف منصب مباشر داخل المنطقة، وطموح صناعي جهوي يصل إلى 24 ألف منصب شغل.
لكن الحسم لن يكون في الأرقام المعلنة، بل في الأرقام المحققة. فالجهة تحتاج إلى معرفة عدد المصانع التي اشتغلت، وعدد الشباب الذين وجدوا عملا، ونوعية الوظائف، وحجم التكوين، ومدى استفادة المقاولات المحلية من المناولة.
إذا نجحت سوس ماسة في ربط المنطقة الصناعية بالتكوين والنقل واللوجستيك والمقاولات المحلية، فقد تتحول هذه المنطقة إلى واحدة من أهم روافع التشغيل الجهوي خلال السنوات المقبلة. أما إذا بقيت منفصلة عن حاجيات السكان وسوق العمل، فستظل منطقة مجهزة أكثر مما هي تحول اقتصادي حقيقي.
ما الذي يجب أن تعرفه؟
تراهن منطقة التسريع الصناعي بسوس ماسة على تحويل الجهة إلى قطب صناعي قادر على خلق شغل قار وتنويع الاقتصاد المحلي، لكن نجاحها سيُقاس بعدد المصانع العاملة والمناصب الفعلية، لا بالهكتارات المجهزة فقط.
- المنطقة تمتد على 305 هكتارات بجماعة الدراركة، مع شطر أول من 64 هكتارا ومنطقة تسريع داخلية من 50 هكتارا.
- المعطيات المؤسساتية تتحدث عن هدف 10 آلاف منصب شغل مباشر، ضمن طموح صناعي جهوي يصل إلى 24 ألف منصب.
- التحدي الحقيقي هو التكوين، النقل، اللوجستيك، إدماج المقاولات المحلية، ونشر حصيلة دقيقة للمناصب المحققة فعلا.

