لا يزال ملف عقاري بجماعة أورير، شمال مدينة أكادير، يثير جدلاً واسعاً ويشكّل نموذجاً بارزاً لتعقيدات النزاعات العقارية بالمغرب، بعدما تداخلت فيه مطالب تحفيظ متعارضة ومساطر قضائية طويلة استغرقت سنوات من التقاضي واستنزفت الجهد والمال.
ورغم أن الملف اجتاز جميع درجات التقاضي إلى أن بلغ محكمة النقض، وانتهى بصدور أحكام قضائية نهائية وباتّة يفترض أن تضع حداً للنزاع وتعيد الطمأنينة إلى الملاّك المتضررين، إلا أن التنفيذ ما يزال معلّقاً، في وقت يؤكد فيه الدستور المغربي والقوانين الجاري بها العمل أن الأحكام القضائية تصدر وتنفذ باسم جلالة الملك وطبقا للقانون، مما يجعل التنفيذ جزءاً لا يتجزأ من العدالة وركيزة أساسية لهيبة القضاء.
المتضررون، عبر شكايات موجهة إلى المحافظ على الأملاك العقارية بأكادير، عبّروا عن استيائهم مما وصفوه بـ”المساطر التعجيزية” المعتمدة من طرف المحافظة العقارية، معتبرين أنها تعرقل التنفيذ وتتعامل مع العقار محل النزاع وكأنه أرض خلاء، رغم أنه يضم أحياء سكنية قائمة ومجهزة بالماء والكهرباء وتنتظر فقط استكمال باقي البنيات التحتية من صرف صحي وتزفيت الأزقة.
الأخطر، وفق ما جاء في الشكايات ذاتها، أن المحافظة العقارية أصدرت عدة رسوم عقارية متداخلة على نفس الوعاء العقاري، وهو ما وصفه المشتكون بتناقض صريح يمسّ بمبدأ الحياد ويحوّل مؤسسة من المفترض أن تكون ضامنة للأمن العقاري إلى “طرف غير معلن في النزاع”.
هذا الوضع أثار قلق خبراء قانونيين وحقوقيين أكدوا أن حجية الأحكام القضائية وقدسيتها لا تكتمل إلا بتنفيذها، وأن أي تماطل أو تعطيل في التنفيذ يفقد الأحكام قيمتها العملية ويضعف ثقة المواطنين والمستثمرين في العدالة والأمن القانوني بالمغرب.
ويرى متتبعون أن القضاء المغربي أدّى دوره كاملاً بإصدار أحكام نهائية في الملف، وأن الكرة الآن في ملعب الجهات الإدارية المختصة لضمان التنفيذ الفعلي لهذه الأحكام، بما يحافظ على هيبة القضاء ويكرس سيادة القانون. فالقضاء ليس مجرد مؤسسة للنطق بالأحكام، بل سلطة قائمة بذاتها، واجب الدولة ومؤسساتها احترام قراراتها وتنفيذها.
وفي هذا السياق، يتوجه المتضررون وفعاليات حقوقية محلية بنداء عاجل إلى وزارة العدل، والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، ووزارة الداخلية، قصد التدخل الفوري لتفعيل الأحكام النهائية وضمان تنفيذها على أرض الواقع، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئت تشدد على ترسيخ دولة الحق والقانون وصون حقوق المواطنين.
إن استمرار هذا الملف عالقاً، رغم وضوح الأحكام القضائية فيه، لا يُعد مجرد نزاع عقاري اعتيادي، بل قضية مبدئية تمسّ احترام سلطة القضاء وهيبته، وتضع على المحك مصداقية الدولة في حماية الأمن العقاري وضمان استقرار الاستثمار. لذلك فإن معالجته بشكل عاجل وحاسم باتت ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

التعاليق (0)