في مشهد دبلوماسي يحمل أبعادًا رمزية وسياسية عميقة، بدأت عدة دول وفاعلين أفارقة في تداول وصف جديد للمغرب: “المملكة المغربية الإفريقية الشريفة”، في تعبير غير مسبوق عن حجم التقدير الذي باتت تحظى به الرباط داخل القارة السمراء، نتيجة نهجها القائم على التعاون الصادق، والدفاع عن قضايا إفريقيا بعيدًا عن منطق الهيمنة أو استغلال الأزمات.
هذا اللقب، وإن لم يكن توصيفًا رسميًا بالمعنى البروتوكولي، إلا أنه يعكس تحوّلًا ملموسًا في نظرة العديد من الشعوب والنخب الإفريقية إلى المغرب، باعتباره شريكًا موثوقًا وفاعلًا تنمويًا يضع المصالح المشتركة فوق الحسابات الضيقة.
دبلوماسية الاحترام بدل الوصاية
خلال العقدين الأخيرين، اختار المغرب أن يعيد صياغة علاقته بعمقه الإفريقي وفق مقاربة مختلفة عن تلك التي طبعت علاقات بعض القوى التقليدية بالقارة. فبدل الخطابات السياسية المجردة، اتجهت الرباط نحو بناء شراكات اقتصادية وتنموية مباشرة، شملت قطاعات حيوية مثل الفلاحة، والبنيات التحتية، والطاقات المتجددة، والتكوين المهني، والخدمات البنكية.
هذا التوجه منح المغرب صورة الدولة التي لا تبحث عن النفوذ عبر استنزاف الثروات أو استغلال هشاشة الدول الإفريقية، بل عبر الاستثمار في الإنسان والتنمية والاستقرار.
ويرى متابعون للشأن الإفريقي أن نجاح المغرب في كسب احترام عدد من الدول يعود أساسًا إلى “دبلوماسية الاحترام”، حيث تتعامل الرباط مع شركائها الأفارقة بمنطق الندية والتعاون المتبادل، بعيدًا عن أي نزعة فوقية أو إرث استعماري.
الحضور المغربي في إفريقيا.. من الاقتصاد إلى الأمن الروحي
لم يقتصر الحضور المغربي داخل إفريقيا على الجانب الاقتصادي فقط، بل امتد إلى مجالات استراتيجية أخرى، أبرزها الأمن الروحي ومحاربة التطرف. فقد نجح المغرب، عبر مؤسساته الدينية المعتدلة، في تقديم نموذج قائم على الوسطية والتسامح، وهو ما جعل عددًا من الدول الإفريقية تعتمد على الخبرة المغربية في تكوين الأئمة ومواجهة الفكر المتشدد.
كما عززت المبادرات الإنسانية والطبية التي قادها المغرب في عدة دول إفريقية، خاصة خلال الأزمات الصحية والكوارث الطبيعية، صورة المملكة كدولة تتعامل مع القارة بمنطق التضامن الحقيقي، لا بمنطق المصالح الظرفية.
العودة إلى الاتحاد الإفريقي.. نقطة تحول استراتيجية
شكّلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مفصلية في مسار انفتاحه على القارة. فمنذ تلك اللحظة، تحركت الدبلوماسية المغربية بوتيرة متسارعة لإعادة بناء شراكات قوية مع العواصم الإفريقية، مستفيدة من شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والدينية والثقافية.
ولم تعد الرباط تُنظر إليها فقط كفاعل إقليمي في شمال إفريقيا، بل كقوة إفريقية صاعدة تمتلك رؤية واضحة بشأن مستقبل القارة، خصوصًا في ملفات الأمن الغذائي، والهجرة، والتنمية المستدامة، والاندماج الاقتصادي الإفريقي.
لقب يحمل رسائل سياسية وأخلاقية
إن تداول وصف “المملكة المغربية الإفريقية الشريفة” يحمل في طياته رسائل سياسية وأخلاقية في آن واحد. فهو يعكس تقديرًا لمسار دبلوماسي قائم على الثبات والوفاء للشراكات الإفريقية، كما يشير إلى أن صورة المغرب داخل القارة لم تعد مرتبطة فقط بالمصالح الاقتصادية، بل أيضًا بالقيم التي يقدمها كشريك يحترم سيادة الدول وخصوصياتها.
وفي وقت تعرف فيه إفريقيا تنافسًا دوليًا متزايدًا بين القوى الكبرى، يبدو أن المغرب اختار أن يتموقع كـ”صوت إفريقي من داخل إفريقيا”، لا كطرف يسعى إلى الهيمنة، بل كشريك يعمل على بناء توازنات جديدة قائمة على التنمية المشتركة والاحترام المتبادل.
إفريقيا تعيد اكتشاف المغرب
التحولات الجيوسياسية التي تشهدها القارة جعلت العديد من الدول الإفريقية تبحث عن نماذج تعاون جديدة وأكثر صدقية. وفي هذا السياق، يبرز المغرب باعتباره أحد أبرز الفاعلين الذين استطاعوا بناء حضور مؤثر دون صخب سياسي أو تدخلات مباشرة.
ومن هنا، فإن اللقب الجديد الذي بات يتردد في الأوساط الإفريقية ليس مجرد توصيف عابر، بل مؤشر على مكانة متنامية للمملكة داخل القارة، وعلى نجاح رؤية استراتيجية جعلت من إفريقيا امتدادًا طبيعيًا للسياسة الخارجية المغربية، لا مجرد مجال نفوذ ظرفي.
وفي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، يبدو أن المغرب نجح في ترسيخ صورة الدولة الإفريقية التي تجمع بين الشرعية التاريخية، والعمق الحضاري، والمصداقية السياسية… وهي عناصر قد تفسر لماذا بات كثيرون داخل القارة يصفونه اليوم بـ”المملكة المغربية الإفريقية الشريفة”.
بقلم: أحمد بومهرود، باحث في الإعلام والصناعة الثقافية