في أوقات المحن، تظهر معادن الشعوب، ولطالما كان للمغاربة موعد مع التاريخ لرسم لوحات من الوفاء وتلقين العالم دروساً في التلاحم.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد مواجهة لأزمة عابرة، بل هي تجارب إنسانية سيسطرها التاريخ بمداد من فخر عن مواقف شعب يشتد عوده كلما زادت الخطوب.
لا يمكن لأي منصف أن ينكر تلك الملحمة التي سطرها أبناء الوطن بمختلف تشكيلاتهم؛ من القوات المسلحة الملكية، والأجهزة الأمنية، والوقاية المدنية، والفعاليات الجمعوية، وصولاً إلى المواطن البسيط. لقد أبانت فاجعة فيضانات القصر الكبير عن هبّة إنسانية منقطعة النظير، حيث تحرك الجميع كجسد واحد تحت شعار مقدس هو “الإنسان أولاً”.
لقد كانت العمليات الميدانية سباقاً مع الزمن، حيث تم إنقاذ الساكنة من شبح الغرق المحقق تحت استراتيجية “صفر ضحية”. ولم تتوقف المبادرات عند الإجلاء عبر الحافلات والقطارات المجانية فحسب، بل امتدت لتشمل حماية مستقبل الناشئة عبر تأمين استئناف تلاميذ العائلات النازحة لدروسهم في مؤسسات الاستقبال، في رسالة واضحة أن التعليم حق لا توقفه الفيضانات.
ومع انطلاق الجسور الجوية والبرية لتوزيع الإعانات، دخلت العملية مرحلة الدقة المتناهية، لتشمل كل “زنقة، دار، وحي”، حيث لم يُترك أحد خلف الركب. لكن المشهد الذي خطف الألباب وأثار إعجاب العالم، هو تلك الصور التي وثقت دوريات الأمن وهي تحنو على حيوانات المدينة من قطط وكلاب ضالة وتطعمها وسط الركام، في تجسيد حي لقمة الرقي والإنسانية التي تتجاوز حدود البشر.
إننا نقولها اليوم، وبوجه مكشوف وصوت يملؤه الفخر: المغاربة هم دائماً في الموعد. من طنجة إلى الكويرة، تجدهم صفاً واحداً عند كل أزمة، ينظمون القوافل ويمدون سواعد التضحية بكل ما أوتوا من قوة. وما ملاحم القصر الكبير اليوم إلا امتداد لروح “زلزال الحوز”، الدليل القاطع على أن تمغربيت هي عقيدة تضامن لا تلين، وصخرة تتحطم عليها كل الأزمات.
