بقلم: أحمد بومهرود، باحث في الإعلام والصناعة الثقافية
- من الطرد الجماعي إلى الاحتجاز المزمن: حين يصبح المدنيون رهائن نظام عسكري دكتاتوري
ليس من قبيل الصدفة أن يعود ملف طرد 350 ألف مواطن مغربي من الجزائر سنة 1975 إلى الواجهة كلما طُرح سؤال حقوق الإنسان في المنطقة المغاربية. فهذه الجريمة الجماعية، التي نفّذها النظام العسكري الدكتاتوري الجزائري بقرار فوقي، لم تكن حادثًا عابرًا في سياق توتر إقليمي، بل كانت تعبيرًا مبكرًا عن منطق سلطوي يرى الإنسان مجرد أداة في صراع النفوذ والهيمنة.
بعد قرابة نصف قرن، يتكرر المشهد بشكل مختلف في مخيمات تندوف، حيث يعيش آلاف المدنيين الصحراويين في احتجاز دائم فوق التراب الجزائري، بلا إحصاء، بلا حرية تنقل، وبلا أفق سياسي أو إنساني واضح. وبين الحدثين، خيط ناظم واحد: القرار العسكري الدكتاتوري يضع السياسة فوق الكرامة الإنسانية ويحوّل المدنيين إلى رهائن.
- الطرد الجماعي: جريمة استمرت في الصمت
في ديسمبر 1975، لم يُطرَد أجانب مخالفون للقانون، بل مواطنون مغاربة وعائلات مغاربية متجذّرة في المجتمع الجزائري، كثير منهم وُلد على تلك الأرض وساهم في اقتصادها. لم يُمنح هؤلاء حق الدفاع، ولا مهلة، ولا تعويض، ولا حتى الاعتراف بما لحقهم من ضرر.
إن استهداف مواطنين على أساس جنسيتهم يجعل الطرد الجماعي انتهاكًا مزدوجًا: تمييز، عقاب جماعي، وتهجير قسري. وما يجعل الجريمة أكثر فداحة هو استمرار الإنكار الرسمي، وكأن آلاف القصص الإنسانية يمكن محوها بالصمت، تحت شعار “الاستقرار” الذي فرضه نظام عسكري دكتاتوري.
- تندوف: احتجاز دائم باسم القضية
في مخيمات تندوف، لا نتحدث عن لجوء عادي، بل عن احتجاز طويل الأمد تحت سلطة غير منتخبة، حيث وُلدت أجيال كاملة وترعرعت داخل فضاء مغلق، محرومة من أي حماية قانونية أو أفق سياسي.
الدولة الجزائرية، بصفتها مضيفة، مسؤولة بالكامل عن هذا الوضع، ولا يمكنها إلقاء اللوم على أي طرف آخر. المخيمات تُدار خارج رقابة الأمم المتحدة، المساعدات الإنسانية تُستغل سياسياً، والسكان يُحرمون من أبسط حقوقهم: حرية الاختيار والتنقل، وكل هذا باسم قضية سياسية يسيطر عليها نظام عسكري دكتاتوري.
- نمط واحد… أدوات مختلفة
الطرد الجماعي واحتجاز تندوف يظهران نمطًا ممنهجًا:
-قرارات مصيرية تُتخذ داخل دوائر مغلقة
-غياب كامل للمساءلة الداخلية
-توظيف المدنيين كورقة ضغط سياسية
-تجميد المعاناة بدل حلها
هذا ليس خلافًا سياسيًا عاديًا، بل إدارة دكتاتورية للإنسان حيث الكرامة الإنسانية مجرد تفصيل ثانوي.
- الشعوب المغلوبة على أمرها… والذاكرة حاضرة
المغاربة المقيمون في الجزائر لم يكونوا ضحايا ظرف عابر، بل طُردوا من منازلهم وقراهم بلا إنذار أو تعويض، بينما المغاربة المحتجزون في تندوف اختُطفوا وعُزلوا عن العالم في وضع احتجاز دائم. كل منهما كان رهينة لخيارات سياسية لم يشاركوا فيها، ودفعت الشعوب الثمن الباهظ لقرارات اتخذتها أجهزة عسكرية دكتاتورية على حساب حياتهم وكرامتهم. التاريخ هنا شاهد حي، والذاكرة الإنسانية لن تنسى هذه الانتهاكات.
- كلمة أخيرة
أي حديث عن السلم أو التكامل المغاربي، دون اعتراف صريح بالطرد الجماعي، ودون تفكيك حقيقي لوضع الاحتجاز في تندوف، هو حديث فاقد للمصداقية الأخلاقية.
العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت، والإنسان المغاربي، مهما طال الانتظار، سيظل السؤال الذي لا يستطيع أي نظام عسكري دكتاتوري الهروب منه.
