لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي مجرد سباق بين النماذج والتطبيقات، بل تحولت إلى معركة صامتة حول الكهرباء والتبريد والخوادم ومراكز البيانات. وفي الهند، حيث يلتقي سوق رقمي ضخم مع استثمارات عالمية متزايدة، ترى شنايدر إلكتريك أن هذا التحول قد يدفع أعمال مراكز البيانات لديها للنمو بوتيرة أسرع من أنشطتها التقليدية خلال السنوات المقبلة.
الهند تتحول إلى ورشة كبرى لمراكز البيانات
تتوقع شركة شنايدر إلكتريك أن تتفوق أعمالها المرتبطة بمراكز البيانات في الهند على نمو عملياتها الأوسع داخل البلاد خلال السنوات الأربع إلى الخمس المقبلة، مدفوعة بارتفاع الطلب على بنية تحتية جاهزة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولة في الشركة.
وتأتي هذه التوقعات في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي عاملاً ضاغطاً على البنية التحتية الرقمية عالمياً، إذ تحتاج النماذج الكبيرة والخدمات السحابية والتطبيقات المؤسسية إلى قدرات حوسبة أكبر، وطاقة كهربائية مستقرة، وأنظمة تبريد أكثر كفاءة، وحلول إدارة للطاقة قادرة على تقليل الانقطاعات وتحسين الاستهلاك.
نمو أسرع من النشاط الأساسي
بحسب المعطيات المتوفرة، تمثل مراكز البيانات حالياً ما بين 15 و20 في المائة من أعمال شنايدر إلكتريك في الهند، لكنها تسجل نمواً بمعدل مزدوج الرقم. وترى الشركة أن هذه الحصة قابلة للارتفاع مع توسع الطلب من شركات الحوسبة السحابية، ومزودي خدمات الاستضافة المشتركة، والمؤسسات التي تبني قدراتها الرقمية الخاصة.
وقالت سومتي ساهغال، نائبة الرئيس لقطاع الطاقة الآمنة ومراكز البيانات في شنايدر إلكتريك، إن مراكز البيانات وتحديث الشبكات الكهربائية يوجدان ضمن أبرز محركات النمو بالنسبة للشركة في السوق الهندية. ويعني ذلك أن الرهان لا يقتصر على بناء قاعات للخوادم، بل يمتد إلى منظومة كاملة تشمل الكهرباء، التحويل، التوزيع، الحماية، المراقبة والتبريد.
الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على الكهرباء والتبريد
تزداد أهمية الشركات المزودة للبنية التحتية مثل شنايدر إلكتريك لأن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تحتاج إلى البرمجيات فقط. فكل خدمة ذكاء اصطناعي تعمل في الخلفية على مراكز بيانات تستهلك الطاقة وتحتاج إلى حماية كهربائية دقيقة وأنظمة تبريد متقدمة. ومع ارتفاع كثافة الخوادم المستخدمة لتدريب وتشغيل النماذج، تصبح إدارة الحرارة والطاقة جزءاً أساسياً من المعادلة.
وتقدم شنايدر إلكتريك حلولاً تشمل أنظمة الطاقة غير المنقطعة، ومعدات توزيع الكهرباء، وأنظمة التبريد، وبرمجيات إدارة الطاقة. وتشير المعطيات إلى أن جزءاً مهماً من هذه المعدات يتم تصنيعه محلياً، وهو ما يمنح الشركة موقعاً مهماً في سوق تحاول الهند تحويلها من سوق استهلاك فقط إلى قاعدة تصنيع وتجهيز كذلك.
سوق قد يتجاوز 31 مليار دولار
تستند التوقعات المتفائلة أيضاً إلى نمو سوق مراكز البيانات في الهند. فحسب الأرقام التي أوردتها رويترز، يُتوقع أن تصل قيمة هذا السوق إلى 31.36 مليار دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي يبلغ 13.37 في المائة. كما يُنتظر أن ترتفع القدرة من حوالي 1.5 غيغاواط حالياً إلى ما بين 6 و7 غيغاواط بحلول 2030.
هذه الأرقام تعكس انتقالاً واضحاً في وزن الهند داخل الاقتصاد الرقمي العالمي. فبعد سنوات من التركيز على خدمات تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات، تتجه البلاد الآن إلى تعزيز البنية التحتية المادية التي تقوم عليها خدمات السحابة والذكاء الاصطناعي والتخزين ومعالجة البيانات.
الاستثمارات تخرج من المراكز التقليدية
لم يعد توسع مراكز البيانات في الهند محصوراً في المدن التقليدية الكبرى مثل مومباي وتشيناي. وتشير رويترز إلى أن الاستثمارات بدأت تتجه أيضاً نحو ولايات مثل غوجارات وراجستان، وهو تحول قد يوسع الخريطة الصناعية والرقمية للبلاد، خصوصاً مع الحاجة إلى أراضٍ واسعة، وربط كهربائي قوي، وقرب من شبكات الاتصالات.
هذا الانتشار الجغرافي قد يفتح فرصاً جديدة أمام سلاسل التوريد المحلية، من معدات الكهرباء إلى البناء والتبريد والخدمات الهندسية. لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق باستدامة الطاقة، وتوفر المياه في بعض المناطق، وقدرة الشبكات على مواكبة طلب سريع النمو.
لماذا يهم الخبر شركات التكنولوجيا؟
بالنسبة لشركات التكنولوجيا العالمية، تمثل الهند سوقاً مزدوجة الأهمية: قاعدة ضخمة للمستخدمين، ومركزاً متنامياً للمواهب والخدمات الرقمية. ومع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات والبنوك والتجارة الإلكترونية والاتصالات، يصبح توفر مراكز بيانات محلية وقوية عاملاً حاسماً لتقليل التأخير، وتحسين الامتثال، وتسريع الخدمات.
ومن هذا المنظور، تبدو توقعات شنايدر إلكتريك مؤشراً على أن الموجة الحالية للذكاء الاصطناعي بدأت تتحول إلى إنفاق ملموس على البنية التحتية. فالطلب لا يأتي فقط من شركات التكنولوجيا الكبرى، بل أيضاً من مؤسسات تريد تحديث أنظمتها، تخزين بياناتها محلياً، وتشغيل خدمات أكثر اعتماداً على التحليل الآلي والذكاء الاصطناعي.
قراءة اقتصادية حذرة
رغم قوة المؤشرات، يبقى هذا النمو مرتبطاً بعوامل متعددة، بينها توفر الطاقة بأسعار مناسبة، سرعة منح التراخيص، قدرة الشبكات الكهربائية على التحديث، وتوازن الاستثمارات بين السرعة والاستدامة. كما أن سباق مراكز البيانات يثير عالمياً أسئلة حول استهلاك الطاقة والانبعاثات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنشآت ضخمة تعمل على مدار الساعة.
لذلك، فإن الرهان الهندي بالنسبة لشنايدر إلكتريك لا يقوم فقط على بيع معدات أكثر، بل على تقديم حلول تجعل النمو الرقمي قابلاً للإدارة من ناحية الطاقة والكفاءة. وهنا يظهر دور الشركات الصناعية التي كانت تُرى تقليدياً كجزء من قطاع الكهرباء، لكنها أصبحت اليوم في قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
تكشف تصريحات شنايدر إلكتريك عن جانب مهم من طفرة الذكاء الاصطناعي: كل تطبيق ذكي يحتاج وراءه إلى بنية مادية ضخمة، من الخوادم إلى الكهرباء والتبريد. وفي الهند، حيث يتسارع الطلب الرقمي وتتوسع الاستثمارات، قد تصبح مراكز البيانات أحد أبرز محركات النمو خلال السنوات المقبلة، ليس فقط للشركات التكنولوجية، بل أيضاً لمزودي الطاقة والبنية التحتية الصناعية.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله