لم يعد اسم أكلو، في إقليم تزنيت، يحضر فقط كوجهة بحرية هادئة تستقطب الزوار والساكنة خلال فترات الصيف. فخلال السنوات الأخيرة، بدأ هذا الشريط الساحلي يظهر في ملفات أمنية ثقيلة، عنوانها الأبرز: محاولات تهريب كميات كبيرة من المخدرات عبر البحر في اتجاه أوروبا.
أبرز هذه الملفات يعود إلى شحنة ضخمة قُدرت بثمانية أطنان من الشيرا، جرى إحباط تهريبها خلال شهر يونيو من السنة الماضية، في واحدة من أكبر العمليات التي شهدتها سواحل المنطقة. واليوم، وبعد مرور نحو سنة، يعود الملف إلى الواجهة من جديد، ليس بسبب كمية المخدرات وحدها، بل لأن السؤال الأهم ما يزال معلقا: من كان يقف فعلا وراء هذه العملية؟
الشحنة ضُبطت.. لكن رأس الخيط ظل غائبا
منذ اللحظة الأولى لحجز الكمية، بدا واضحا أن الأمر لا يتعلق بعملية بسيطة أو ارتجالية. فثمانية أطنان من المخدرات تحتاج إلى تمويل، وتخطيط، ونقل، وتنسيق، واختيار نقطة بحرية مناسبة، ثم انتظار اللحظة التي تسمح بإخراج الشحنة نحو الضفة الأخرى.
ورغم الأبحاث التي باشرتها مصالح الدرك الملكي بتزنيت، فإن النتائج المعلنة لم تكشف، إلى حدود الآن، سوى عن توقيف ثلاثة أشخاص يشتبه في اضطلاعهم بأدوار ميدانية محدودة، فيما بقيت الجهة التي خططت ونسقت بعيدة عن دائرة الحسم.
وهنا تتجاوز القضية حدود الحجز الأمني العادي، لتتحول إلى ملف مفتوح على شبكة محتملة، قد تكون أوسع من الأشخاص الذين ظهروا في الواجهة.
لماذا أزرو زگاغن؟
من بين النقاط اللافتة في هذا الملف اختيار شاطئ “أزرو زگاغن”، القريب من مركز أكلو، كنقطة محتملة لانطلاق الشحنة.
فالمنطقة ليست معزولة بالكامل، وليست من تلك النقط التي يسهل فيها التحرك بعيدا عن الأنظار. قربها من محيط مأهول يجعل اختيارها مثيرا للاستغراب، ويدفع إلى طرح أسئلة حول الطريقة التي كان يُراد بها تمرير كمية بهذا الحجم دون إثارة الانتباه.
هل كان الاختيار مبنيا على معرفة دقيقة بالمكان؟ هل جرى التعويل على توقيت معين؟ أم أن هناك من اعتقد أن الشريط الساحلي أصبح قابلا للاستغلال رغم قربه من السكان؟
هذه الأسئلة تبدو اليوم في قلب البحث الجاري.
السجن يدخل على خط الملف
المستجد البارز في القضية هو انتقال عناصر من المركز القضائي للدرك الملكي بتزنيت إلى السجن المحلي بوصنصار، من أجل الاستماع إلى مشتبه فيه يُعتقد أن له صلة محتملة بالملف.
المعني بالأمر يوجد رهن الاعتقال في قضية أخرى مرتبطة بمحاولة تهريب كمية جديدة من الشيرا عبر سواحل أكلو، قُدرت بحوالي طنين ونصف الطن.
غير أن محاولة الاستماع إليه لم تمر كما كان منتظرا، بعدما رفض، في مناسبتين، الخروج نحو القاعة المخصصة للاستماع داخل المؤسسة السجنية، لأسباب لم تتضح بعد.
رفضه لا يعني، قانونيا، ثبوت أي شيء ضده. لكنه، من زاوية التحقيق، يجعل الملف أكثر غموضا، خصوصا أن اسمه سبق أن برز ضمن الأبحاث المرتبطة بشحنة الثمانية أطنان.
رجل يعرف البحر.. وملفات تلاحقه
المشتبه فيه ليس اسما عاديا في هذا المسار. فالمعطيات المتداولة تفيد بأنه كان يشتغل سابقا ضمن جهاز البحرية الملكية، قبل توقيفه يوم 20 ماي الماضي من طرف عناصر الشرطة القضائية بتزنيت، بتنسيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
التوقيف جاء، حسب المعطيات المتوفرة، على خلفية الاشتباه في الإعداد لتهريب كمية مهمة من الشيرا عبر سواحل أكلو، بلغت حوالي طنين ونصف الطن.
وجود اسم الشخص نفسه في أكثر من ملف يعيد ترتيب الأسئلة: هل نحن أمام عمليات متفرقة؟ أم أمام مسار واحد تتقاطع فيه الأسماء والوسائل ونقط الانطلاق؟
رئيس جديد وذاكرة قديمة للملف
عودة هذا الملف إلى الواجهة تتزامن أيضا مع تعيين رئيس جديد للمركز القضائي بتزنيت. وهي خطوة قد تمنح الأبحاث دفعة إضافية، خاصة أن المسؤول الجديد كان ضمن الفريق الذي عايش تفاصيل القضية منذ بدايتها، حين تم حجز الشحنة بحضور مسؤولين جهويين وإقليميين للدرك.
هذا المعطى مهم، لأن الملفات الثقيلة لا تُفهم دائما من خلال المحاضر وحدها. أحيانا، تكون الذاكرة الميدانية للباحثين، وتفاصيل المكان، وردود فعل الأشخاص، وطريقة العثور على الشحنة، عناصر أساسية في إعادة تركيب الصورة.
ومن هنا، يبدو أن الهدف لم يعد فقط استكمال إجراء مسطري، بل محاولة العودة إلى أصل الحكاية: كيف وصلت ثمانية أطنان إلى ذلك المكان؟ ومن كان ينتظر لحظة إخراجها إلى البحر؟
الهواتف قد تتكلم
في مثل هذه القضايا، لا تكون الاعترافات وحدها كافية. أحيانا، تكون الهواتف أقوى من الكلام.
المعطيات المرتبطة بالخبرة التقنية على الهواتف المحجوزة في ملف محاولة تهريب طنين ونصف من الشيرا قد تشكل مفتاحا مهما لفهم ما جرى. فالأرقام، والمكالمات، والرسائل، ونقط التواصل، يمكن أن تكشف مسارات لم تظهر في بداية البحث.
وبموازاة ذلك، يواصل قاضي التحقيق أبحاثه مع أربعة موقوفين في الملف نفسه، في مسار قد يساعد على ربط هذه القضية بملفات أخرى شهدتها المنطقة.
أطنان متعددة.. وخيط واحد محتمل
لا يقف المشهد عند شحنة الثمانية أطنان وحدها. فهناك أيضا ملف ثلاثة أطنان جرى حجزها من طرف الجمارك، وملف آخر ارتبط بحادثة سير كُشف خلالها عن طن من الشيرا كان معدا للتهريب، إضافة إلى عمليات أخرى ما تزال تفاصيلها غير واضحة للرأي العام.
تعدد الكميات وتكرار المنطقة يطرحان سؤالا جوهريا: هل نحن أمام نشاط ظرفي، أم أمام ممر بحري حاولت شبكات منظمة تحويله إلى طريق بديل نحو أوروبا؟
الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد حجم الملف الحقيقي. لأن الفرق كبير بين عملية فاشلة، وبين شبكة تعرف المنطقة وتختبر نقطها البحرية وتعيد المحاولة كلما أُغلق مسار وظهر آخر.
أكلو بين صورة السياحة وظل التهريب
أكلو، بالنسبة لكثيرين، شاطئ للراحة والاصطياف. لكن الملفات الأمنية الأخيرة أضافت إلى صورته وجها آخر أكثر تعقيدا.
هذا لا يعني أن المنطقة تحولت إلى بؤرة خارجة عن السيطرة، لكنه يكشف أن السواحل الهادئة قد تكون، أحيانا، أكثر إغراء لشبكات التهريب من النقط المعروفة والمراقبة تقليديا.
ومن هنا، تبدو القضية أكبر من مجرد حجز مخدرات. إنها اختبار حقيقي لقدرة الأبحاث على الوصول إلى من يخطط من الخلف، لا فقط من يُضبط في الواجهة.
الملف لم يغلق بعد
بعد سنة على حجز ثمانية أطنان من الشيرا، ما يزال ملف أكلو مفتوحا على احتمالات كثيرة.
قد تكشف الخبرات التقنية معطيات جديدة. وقد يؤدي الاستماع إلى المشتبه فيه الرئيسي، إن تم، إلى توضيح حلقات غامضة. وقد تظهر أسماء أخرى لم تكن في الواجهة خلال بداية البحث.
لكن المؤكد أن شحنة بهذا الحجم لا تتحرك وحدها، ولا تصل إلى شاطئ قريب من منطقة مأهولة دون شبكة تفكر وتدبر وتراهن على البحر.
لذلك، فإن السؤال الذي عاد اليوم بقوة ليس: كيف ضُبطت الثمانية أطنان؟ بل: من كان يعتقد أنها ستعبر البحر دون أن يترك وراءه أثرا؟



