محمد وهبي أنهى ندوته الصحفية التي تسبق قمة المغرب وفرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026 برسائل هادئة، لكنها قوية في مضمونها، عنوانها الأكبر: احترام المنتخب الفرنسي دون خوف منه، والتركيز على هوية “أسود الأطلس” بدل الانجرار وراء خطاب الثأر أو ضغط الذاكرة.
وتأتي هذه الندوة في توقيت حساس، ساعات فقط قبل واحدة من أكبر مباريات المنتخب المغربي في السنوات الأخيرة، حيث يواجه “أسود الأطلس” منتخب فرنسا، يوم الخميس 9 يوليوز، على أرضية ملعب بوسطن، في مواجهة تعيد إلى الواجهة ذكريات نصف نهائي مونديال قطر 2022.
لكن السياق اليوم مختلف. فالمغرب لم يعد يدخل مثل هذه المباريات بصفة المفاجأة، بل كمنتخب فرض احترامه، وبلغ ربع النهائي بثقة، وبدأ العالم يتعامل معه كرقم حقيقي في دائرة الكبار.
محمد وهبي يرفض الخوف من فرنسا
أبرز ما خرج من خطاب محمد وهبي قبل مواجهة فرنسا هو رفضه لفكرة الخوف.
فالناخب الوطني شدد، وفق المعطيات المتوفرة، على أن احترام قوة المنتخب الفرنسي لا يعني اللعب بعقدة أو تراجع، بل يعني التحضير بجدية لمواجهة خصم كبير يملك لاعبين من أعلى مستوى.
هذه الرسالة ليست جديدة في خطاب وهبي. فقد سبق له، قبل مواجهة البرازيل في دور المجموعات، أن تحدث بالمنطق نفسه تقريباً، حين أكد أن المغرب دخل “بعداً جديداً”، وأن المطلوب هو الحفاظ على هذا المستوى والتحول إلى منتخب منافس لا يكتفي بالمشاركة.
وبهذا المعنى، لا يريد وهبي من لاعبيه أن يتعاملوا مع فرنسا كقدر لا يُقاوم، بل كخصم قوي يجب احترامه ومواجهته بشخصية واضحة.
لا حديث عن الثأر
رغم أن جزءاً واسعاً من الجماهير المغربية يرى مواجهة فرنسا فرصة لرد اعتبار رياضي بعد إقصاء 2022، فإن محمد وهبي حرص على إبعاد لاعبيه عن هذا الضغط العاطفي.
فالمدرب المغربي رفض، في تصريحات سابقة مرتبطة باحتمال مواجهة فرنسا، اختزال المباراة في كلمة “الثأر”، معتبراً أن الهدف الحقيقي هو الذهاب إلى أبعد نقطة ممكنة وإسعاد الشعب المغربي.
وهذه نقطة مهمة في تدبير مباراة بهذا الحجم. فخطاب الثأر قد يكون جذاباً في المدرجات، لكنه داخل غرفة الملابس قد يتحول إلى عبء نفسي ثقيل.
وهبي يريد من لاعبيه أن يخوضوا المباراة كما هي: ربع نهائي كأس عالم أمام منتخب كبير، والهدف واضح هو التأهل إلى نصف النهائي، لا مطاردة الماضي.
هوية الأسود قبل اسم الخصم
من خلال تصريحاته الأخيرة، يبدو أن محمد وهبي لم يذهب نحو كشف أوراقه التكتيكية، بل ركز على المبادئ العامة: التنظيم، الثقة، اللعب بشخصية، وعدم تغيير فلسفة المنتخب حسب اسم الخصم.
وحسب المعطيات المتوفرة، كانت فيفا قد استحضرت قبل المباراة موقفاً سابقاً لوَهبي، عندما أكد أن المغرب لن يحضر بشكل مختلف فقط لأن الخصم اسمه البرازيل، مشدداً على أن المنتخب يملك فلسفته الخاصة.
هذه الفلسفة ستكون حاضرة بقوة أمام فرنسا. المغرب مطالب باحترام قوة كيليان مبابي، عثمان ديمبيلي، مايكل أوليس وبرادلي باركولا، لكنه مطالب أيضاً بعدم التنازل عن قدرته على الضغط، الخروج بالكرة، واستثمار عناصر قوته.
الثقة في المجموعة لا في الأسماء فقط
محمد وهبي يعرف أن مباراة فرنسا لن تحسم فقط بالمهارة الفردية. لذلك بدا خطابه موجهاً إلى المجموعة كلها، لا إلى أسماء بعينها.
فالمنتخب المغربي وصل إلى ربع النهائي بعد تجاوز هولندا بركلات الترجيح، ثم الفوز على كندا بثلاثية، وهي نتائج عززت الثقة في المجموعة وفي الطاقم التقني.
وحسب المعطيات الواردة، فإن رويترز أشارت إلى أن وهبي سيخوض مواجهة فرنسا في ربع النهائي وهي مباراته الحادية عشرة فقط منذ تعيينه في مارس، وأن المنتخب المغربي لم يخسر تحت قيادته في أول عشر مباريات، محققاً ستة انتصارات وأربعة تعادلات.
كما ذكّرت الوكالة بأن وهبي سبق أن قاد منتخب أقل من 20 سنة إلى لقب كأس العالم في الشيلي، وهو معطى يفسر جانباً من هدوئه في التعامل مع المباريات الكبرى.
مباراة فرنسا تحتاج إلى نضج لا اندفاع
من بين أهم رسائل ندوة وهبي أن المغرب يحتاج أمام فرنسا إلى النضج أكثر من الاندفاع.
فالمنتخب الفرنسي يملك سرعة كبيرة في التحولات، وأي خطأ في التمركز أو اندفاع غير محسوب قد يفتح مساحات خطيرة أمام لاعبين قادرين على استغلال أنصاف الفرص.
لذلك، فإن رسالة “نلعب للفوز” لا تعني الهجوم العشوائي، بل تعني دخول المباراة بطموح واضح وعقل بارد.
الفوز على فرنسا لا يمر فقط عبر الشجاعة، بل عبر الانضباط، التحكم في الإيقاع، وتفادي الأخطاء المجانية، خاصة أن عدداً من لاعبي المنتخب المغربي يدخلون اللقاء وهم مهددون بالغياب عن نصف النهائي إذا تلقوا بطاقة صفراء جديدة.
ضغط فرنسا حاضر أيضاً
محمد وهبي لا يواجه منتخباً مرتاحاً تماماً. ففرنسا بلغت ربع النهائي بعد فوز صعب على باراغواي بهدف من ركلة جزاء، في حين طالب ديدييه ديشامب لاعبيه بأن يكونوا أكثر فعالية هجومياً أمام المغرب.
هذا المعطى يمنح “أسود الأطلس” سبباً إضافياً للثقة. فرنسا قوية، نعم، لكنها ليست خارج الضغط. وإذا نجح المنتخب المغربي في جر المباراة إلى تفاصيل صغيرة، فإن عامل الأعصاب قد يصبح حاسماً.
وهنا تكمن أهمية خطاب وهبي الهادئ. فالمدرب يحاول أن يمنح لاعبيه الثقة دون أن يدفعهم إلى التهور، ويذكرهم بأن المباراة تلعب بالتفاصيل لا بالعناوين الكبيرة فقط.
لا كشف للتشكيلة والسرية مستمرة
كما كان متوقعاً، لم يكشف محمد وهبي كل أوراقه في ندوة ما قبل فرنسا.
التحضير لمواجهة بهذا الحجم يفرض قدراً كبيراً من السرية، خصوصاً في ما يتعلق بالجاهزية البدنية، والأسماء المرشحة للمشاركة، وبعض الخيارات التكتيكية التي قد تحدد شكل المباراة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الطاقم التقني المغربي حرص في الأيام الأخيرة على التعامل بسرية كبيرة مع التداريب، تفادياً لتسريب أي تفاصيل قد تمنح المنتخب الفرنسي أفضلية في التحضير النهائي.
أربع رسائل من خطاب وهبي
يمكن تلخيص خطاب محمد وهبي قبل مواجهة فرنسا في أربع رسائل واضحة.
الأولى أن المغرب يحترم فرنسا، لكنه لا يخاف منها.
الثانية أن المباراة ليست ثأراً، بل فرصة جديدة لبلوغ نصف النهائي وكتابة صفحة أخرى في تاريخ المنتخب.
الثالثة أن “أسود الأطلس” لن يتخلوا عن هويتهم وفلسفتهم بسبب اسم الخصم.
أما الرابعة فهي أن النجاح أمام فرنسا يتطلب الانضباط والهدوء، وليس الحماس وحده.
هذه الرسائل تبدو بسيطة، لكنها ضرورية قبل مباراة بهذا الحجم، لأن المدرب يحاول حماية لاعبيه من الضجيج، ونقل تركيزهم من الماضي إلى الحاضر، ومن العاطفة إلى التنفيذ.
فرصة لكتابة صفحة جديدة
محمد وهبي دخل ندوة ما قبل فرنسا بوجه المدرب الهادئ والواثق. لم يرفع سقف التصريحات بشكل متهور، ولم يختبئ خلف الحذر الزائد.
رسالته كانت واضحة: المغرب جاء ليلعب، لا ليتفرج على قوة فرنسا.
المغرب أمام موعد كبير، وفرنسا خصم عالمي، والضغط حاضر من كل اتجاه. لكن خطاب وهبي اختار طريقاً واضحاً: لا ثأر، لا خوف، ولا تنازل عن هوية المنتخب.
إنها ليست مغامرة عاطفية، بل فرصة جديدة ليؤكد “أسود الأطلس” أن مكانهم بين الكبار لم يعد صدفة.



