محطة تحلية سوس ماسة لم تعد مجرد مشروع تقني لإنتاج الماء، بل تحولت إلى واحدة من أهم ركائز الأمن المائي بأكادير الكبير وسهل اشتوكة، في سياق وطني وجهوي مطبوع بندرة التساقطات وتراجع الموارد التقليدية.
فالجهة التي عاشت لسنوات تحت ضغط الجفاف، وتقلص حقينة السدود، واستنزاف الفرشات المائية، وجدت في محطة اشتوكة آيت باها مورداً مائياً استراتيجياً يساهم في تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، ويدعم في الوقت نفسه جزءاً حيوياً من الفلاحة بسهل اشتوكة.
وحسب المعطيات المتوفرة، تنتج المحطة حالياً حوالي 275 ألف متر مكعب يومياً، موزعة بين 150 ألف متر مكعب للماء الصالح للشرب و125 ألف متر مكعب للسقي، مع برمجة رفع القدرة الإنتاجية إلى حوالي 400 ألف متر مكعب يومياً في أفق التوسعة.
محطة اشتوكة.. مشروع لمواجهة العطش والجفاف
تقع محطة تحلية مياه البحر باشتوكة آيت باها على مستوى جماعة إنشادن، وتُعرف أيضاً بمحطة “الدويرة”، وقد صممت منذ البداية كمنشأة مزدوجة الاستعمال.
فهي لا تقتصر على إنتاج الماء الصالح للشرب، بل توفر أيضاً مياه الري، ما يجعلها مشروعاً محورياً في جهة تجمع بين ضغط حضري وسياحي متزايد، ونشاط فلاحي استراتيجي معروف بإنتاج الخضر والفواكه والبواكر.
وتكمن أهمية هذه المحطة في أنها جاءت لتجيب عن حاجتين حيويتين في وقت واحد: تأمين الماء لساكنة أكادير الكبير، وحماية جزء من الفلاحة بسهل اشتوكة من الانهيار تحت ضغط ندرة الموارد.
وهذا ما جعل المحطة تتحول، مع توالي سنوات الجفاف، من مشروع بنيوي مهم إلى خط دفاع مائي حقيقي بالنسبة للجهة.
أرقام تكشف حجم المشروع
الأرقام الحالية للمحطة تمنح صورة واضحة عن حجم الرهان.
فالطاقة الإنتاجية المشغلة حالياً تبلغ حوالي 275 ألف متر مكعب يومياً، منها 150 ألف متر مكعب يومياً موجهة للماء الصالح للشرب، و125 ألف متر مكعب يومياً مخصصة للسقي.
وتستهدف التوسعة رفع القدرة الإجمالية إلى حوالي 400 ألف متر مكعب يومياً، بما يعزز قدرة الجهة على مواجهة تذبذب التساقطات والضغط المتزايد على الطلب.
وتفيد المعطيات المتوفرة بأن المحطة تساهم في سقي ما يصل إلى 15 ألف هكتار بسهل اشتوكة، لفائدة نحو 1500 فلاح أو ضيعة فلاحية، مع المساعدة على تخفيف الضغط عن المياه الجوفية التي تعرضت لاستنزاف كبير خلال السنوات الماضية.
أما الكلفة الإجمالية للمشروع فتناهز 4.41 مليار درهم، موزعة بين مكون الماء الصالح للشرب ومكون الري، في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص.
وحسب المعطيات نفسها، خُصص حوالي 2.06 مليار درهم لمكون الماء الشروب، مقابل 2.35 مليار درهم لمكون الري.
كيف تحمي المحطة أكادير الكبير؟
قبل تشغيل المحطة، كان تزويد أكادير الكبير بالماء يعتمد بشكل كبير على السدود والموارد السطحية والجوفية، وهي موارد أصبحت أكثر هشاشة بسبب الجفاف وتراجع التساقطات.
ومع دخول محطة التحلية إلى الخدمة، صار بإمكان الجهة الاعتماد على مورد مائي لا يرتبط مباشرة بالأمطار.
هذا هو التحول الأهم.
فالماء المحلى لا يلغي الحاجة إلى السدود، ولا يعفي من الاقتصاد في الاستهلاك، لكنه يمنح أكادير الكبير هامش أمان أكبر في فترات الضغط المائي.
وعندما تتراجع حقينة السدود، لا يبقى العبء كاملاً على المصادر التقليدية، لأن المحطة تضخ يومياً كميات مهمة موجهة للماء الصالح للشرب.
لهذا، لم تعد المحطة مجرد حل إضافي، بل أصبحت جزءاً من البنية اليومية للأمن المائي بأكادير الكبير.
سهل اشتوكة.. الفلاحة تستفيد من التحلية
الوجه الثاني للمحطة يوجد في سهل اشتوكة، أحد أبرز الأحواض الفلاحية بالمغرب.
هذه المنطقة عانت لسنوات من ضغط قوي على الفرشة المائية، بسبب قلة التساقطات وكثافة النشاط الفلاحي، ما جعل البحث عن مورد بديل للسقي مسألة حيوية.
وجاء مشروع الري بالمياه المحلاة للمساعدة على تحقيق استعمال أكثر استدامة لحوض اشتوكة الجوفي، والحد من الاستنزاف، مع الحفاظ على النشاط الفلاحي والتجهيزات القائمة وإنتاج الخضر ذات القيمة المضافة.
وهنا تظهر خصوصية التجربة. فالتحلية ليست فقط جواباً على عطش المدن، بل أيضاً وسيلة لتخفيف الضغط عن المياه الجوفية، وحماية نشاط اقتصادي يوفر الشغل والإنتاج والتصدير.
صحيح أن كلفة الماء المحلى أعلى من كلفة بعض الموارد التقليدية، لكن في زمن الجفاف يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما كلفة غياب الماء أصلاً؟
التوسعة إلى 400 ألف متر مكعب يومياً
أبرز مستجد في ملف محطة اشتوكة آيت باها هو التوجه نحو توسعة قدرتها الإنتاجية.
فالمحطة التي تنتج حالياً حوالي 275 ألف متر مكعب يومياً مبرمجة لرفع طاقتها إلى حوالي 400 ألف متر مكعب يومياً.
ويعني هذا أن سوس ماسة تتجه إلى تثبيت التحلية كمصدر مائي هيكلي، لا كحل ظرفي مرتبط بسنة جفاف عابرة.
فالرفع من القدرة الإنتاجية سيمنح أكادير الكبير والمناطق الفلاحية المرتبطة بالمحطة قدرة أكبر على مواجهة السنوات الصعبة، خاصة إذا استمر اضطراب التساقطات.
لكن التوسعة تطرح أيضاً تحديات موازية، من بينها الطاقة، كلفة التشغيل، شبكات التوزيع، وتدبير المياه المالحة الناتجة عن عملية التحلية وفق شروط بيئية دقيقة.
مشروع تيزنيت.. أفق جديد للتحلية بسوس ماسة
إلى جانب محطة اشتوكة آيت باها، تبرز معطيات جديدة حول محطة كبرى مبرمجة قرب تيزنيت.
وحسب المعطيات المتوفرة، يجري التخطيط لإنجاز محطة ضخمة قرب تيزنيت باستثمار يقارب 10 مليارات درهم، وبطاقة قد تصل إلى 350 مليون متر مكعب سنوياً، على أن تزود مراكز حضرية وأراضي فلاحية في واحدة من أهم مناطق الإنتاج الغذائي بالمغرب.
هذا المشروع، إذا دخل مرحلة الإنجاز وفق الأجندة المعلنة، قد يشكل جيلاً جديداً من مشاريع التحلية بسوس ماسة.
فبعد تجربة اشتوكة التي جمعت بين ماء الشرب والري، يمكن لمحطة تيزنيت أن توسع الرهان نحو نطاق ترابي أكبر، وتربط الأمن المائي بالتنمية الفلاحية والحضرية في جنوب الجهة.
التحلية ضمن استراتيجية وطنية أوسع
محطة سوس ماسة لا يمكن عزلها عن التحول الوطني في سياسة الماء.
فالمغرب، حسب المعطيات المتوفرة، يتجه إلى رفع حصة تحلية مياه البحر في تزويد الماء الصالح للشرب إلى 60 في المائة بحلول 2030، في ظل توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد التقليدية.
كما تشير المعطيات إلى تشغيل 17 محطة تحلية حالياً، مع إنجاز محطات إضافية، وتوجه نحو تشغيل المشاريع الجديدة بالطاقات المتجددة.
وتبدو سوس ماسة من أوائل الجهات التي اختبرت هذا النموذج على نطاق واسع، من خلال محطة تجمع بين تزويد المجال الحضري بالماء الشروب ودعم الري في مجال فلاحي حساس.
لماذا تبدو التحلية خياراً حاسماً لسوس ماسة؟
في جهة مثل سوس ماسة، لا يتعلق الأمر بحل تقني فقط، بل بخيار استراتيجي.
السدود تبقى ضرورية. الاقتصاد في الماء ضروري. إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة ضرورية. حماية الفرشات المائية ضرورية. لكن التحلية تمنح مورداً لا ينتظر المطر بشكل مباشر.
وهذا ما يجعلها ملائمة لجهة تجمع بين مدينة كبرى مثل أكادير، ونشاط سياحي، وفلاحة تصديرية، ومجالات قروية تحتاج إلى الاستقرار المائي.
التحلية ليست بلا كلفة ولا بلا تحديات، لكنها في سياق الجفاف تمنح الجهة ما تحتاجه أكثر: انتظام التزويد وهامش الأمان.
تحديات لا يجب تجاهلها
رغم أهمية محطة اشتوكة، لا ينبغي تقديم التحلية كحل سحري.
أول تحد هو الكلفة، لأن إنتاج الماء المحلى يحتاج إلى استثمارات ضخمة وطاقة مستمرة.
ثاني تحد هو الطاقة، ولذلك يرتبط تطوير المحطات الجديدة بالتوجه نحو الطاقات المتجددة، لتقليص الكلفة والبصمة الكربونية.
ثالث تحد هو البيئة البحرية، لأن عملية التحلية تنتج مياهاً مالحة مركزة يجب تصريفها وفق معايير صارمة، حتى لا تؤثر على الوسط البحري.
أما التحدي الرابع فهو الحكامة، لأن الماء المحلى يجب أن يواكبه اقتصاد في الاستهلاك، ومراقبة للشبكات، وتقليص للتسربات، وعدالة في التوزيع بين الماء الشروب والري.
ماذا ربحت سوس ماسة من المحطة؟
ربحت الجهة مورداً مائياً جديداً لا يرتبط مباشرة بالتساقطات.
وربح أكادير الكبير قدرة أكبر على تأمين الماء الصالح للشرب خلال فترات الجفاف.
وربح سهل اشتوكة إمكانية تخفيف الضغط على الفرشة المائية.
كما ربح المغرب نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه في جهات أخرى، خاصة أن المحطة تجمع بين الماء الشروب والري في تجربة تعد من بين الأهم على المستوى الإفريقي والمتوسطي، وفق المعطيات المتوفرة حول المشروع.
هل انتهى مشكل الماء في سوس ماسة؟
الجواب الواضح هو: لا.
المحطة خففت الضغط، لكنها لا تلغي الأزمة البنيوية للماء. فالجفاف لم يعد مجرد ظرف عابر، بل أصبح واقعاً مناخياً متكرراً يفرض مقاربة كاملة.
وتحتاج الجهة إلى الجمع بين التحلية، السدود، الربط بين الأحواض، إعادة استعمال المياه العادمة، تقليص الضياع في الشبكات، ومراقبة الاستعمالات الفلاحية.
لكن الفرق أن سوس ماسة لم تعد تواجه الجفاف بنفس الهشاشة السابقة. وجود محطة اشتوكة، وبرمجة توسعتها، والحديث عن محطة كبرى قرب تيزنيت، كلها عناصر تجعل الجهة أكثر قدرة على بناء أمنها المائي على المدى المتوسط.
هذا، و أصبحت محطة تحلية مياه البحر باشتوكة آيت باها ركيزة أساسية للأمن المائي بسوس ماسة.
فهي تنتج حالياً حوالي 275 ألف متر مكعب يومياً، منها 150 ألف متر مكعب للماء الصالح للشرب و125 ألف متر مكعب للسقي، مع توجه نحو رفع الطاقة إلى 400 ألف متر مكعب يومياً.
وتساهم المحطة في تزويد أكادير الكبير بالماء، ودعم سقي آلاف الهكتارات بسهل اشتوكة، وتخفيف الضغط على الفرشة المائية التي تعرضت للاستنزاف.
ومع مشروع محطة تيزنيت المرتقب بطاقة قد تصل إلى 350 مليون متر مكعب سنوياً، يبدو أن سوس ماسة تتجه إلى مرحلة جديدة تجعل التحلية إحدى ركائزها الكبرى في مواجهة الجفاف.
التحلية ليست عصا سحرية، لكنها في سوس ماسة أصبحت الخيار الأكثر واقعية لبناء أمن مائي مستدام.
ومن البحر، بدأت الجهة تبني جزءاً كبيراً من مستقبلها المائي.



