أُسدل الستار على المناظرة الانتخابية بين المرشحين للدور الثاني في الانتخابات الفرنسية. المناظرة جمعت بين رئيس فرنسا الطامح في ولاية ثانية، ومرشحة لم يسبق لها أن تحمَّلت أي مسؤولية حكومية. من الناحية المنطقية كان يجب أن تكون المناظرة سهلة لمارين لوبان لأنها تطمح الدخول لأول مرة للمسؤولية الجكومية، وهي بهذه الصفة معفية من تقديم حساب التدبير أمام الفرنسيين ومهمتها محددة في الدفاع عن عناصر برنامجها الانتخابي. في حين إيمانويل ماكرون هو رئيس فرنسا وسبق أن تحمل مسؤولية وزارية في عهد هولاند، وهو ما يضعه في موقع صعب لأنه من جهة، مُطالب بالدفاع عن حصيلته كرئيس لفرنسا مع ما يتطلبه الأمر من توضيحات لما يعانيه الكثير من الفرنسيين من مشاكل، مما يفتح المجال لمنافِسته لكسب نقاط التفوق. ومن جهة أخرى هو مطالب بالدفاع عن برنامجه الانتخابي.
لكن يبدو من المناظرة أن ماكرون عرف كيف يتحكم في النقاش، ويجعله في كثير من الحالات ينتقل من محاسبة حصيلته الرئاسية، إلى مناقشة ضعف وتناقضات برنامج لوبان. هذه الأخيرة، وإن كانت تهيأت جيدا لهذه المناظرة وطورت أدائها لتظهر بمظهر مخالف لمناظرة 2017 أمام نفس المنافس، إلا أن هذا الجهد لم يبلغ المستوى المطلوب للتغلب على منافس متمرس ويعرف كيف يتحكم في النقاش.
مارين لوبان لم تستطع أن تجعل من المناظرة مناسبة لمحاكمة حصيلة ماكرون، ولم تُفلح في جعل نقاشها يركز على الملفات التي لم يفلح منافسها في معالجتها خلال ولايته الرئاسية. فمثلا في موضوع المشاكل التي يعرفها قطاع التعليم وتدني مستوى التلاميذ في العلوم الرياضية، أخفقت لوبان في إبراز المشاكل التي يعاني منها قطاع التعليم، ربما لعدم إلمامها الكبير بهذا الموضوع. في هذا الملف عرف ماكرون كيف يلتف حوله لتجنب الإحراج، مستغلا المخرج الذي فتحته له منافسته، فراح يتحدث خلال الوقت المتاح، عن كيف تعامله مع الأزمة الصحية كوفيد19 لكي لا يترك سوى وقت وجيز لجوابه عن السؤال المخصص للتعليم، وترك المجال لمنافسته لكي تعرض موقفها من هذا الملف. لوبان لم تنتبه لهذه الحيلة، فراحت تفصل في برنامجها حول التعليم مُفوِّتتا على نفسها كسب نقاط هي أحوج بها.
في المقابل، عرف ماكرون كيف يبرز تناقضات برنامج منافسته، ويجعل منه برنامجا ضعيفا، متناقضا، وغير قابل للتطبيق. فبعد أن جرها للحديث عن موقفها الرافض للاتحاد الأوروبي والقائم على أساس فرنسا أولا، استغل حديثها عن الحاجة لأوروبا لمقاومة التفوق الأمريكي والصيني في ملف تكنولوجيا الإعلام والاتصال. فأبرز تناقضها الواضح والبين بين رفض أوروبا والحاجة إليها في تقوية موقع فرنسا في الساحة الدولية. أرادت لوبان أن تخرج من الحرَج الذي وقعت فيه، فبدأت تتحدث بلسان شعبوي عن فرنسا القوية والدولة العظمى والقوة العالمية القادرة على إبراز قوتها وعظمتها، لكن ماكرون عرف كيف يربط بين فرنسا القوية والاتحاد الأوروبي، وهو ما زاد من ارتباك منافسته.
نظرة عامة على الكيفية التي دار بها نقاش المناظرة الانتخابية، تجعلنا نلاحظ بجلاء أن ماكرون ظهر بمظهر السياسي المتمكن من الملفات، الذي يعرف كيف يبرز آرائه ومواقفه. في حين نلاحظ أن لوبان لم تظهر بمظهر المرأة المتمكنة من الملفات حيث كانت تردد دائما لازمة “أووووووو” وهو ما تفاداه منافسها الذي كان يتحدث بلسان مسترسل وواثق. الملف الوحيد الذي تحدثت عنه لوبان بطلاقة هو ملف الحجاب والهجرة. لكنها سقطت في المحظور حيث جرها ماكرون لخلع قناعها لتبدو في مظهر اليمينية المتطرفة التي تريد تقسيم فرنسا وتتسبب في حرب أهلية فيها، وهي الصورة التي حاولت أن تتجنبها لأنها كانت وراء إخفاقها في مناظرة 2017، لكنها أخفقت من جديد لأنها لم تُحسن ارتداء القناع لإقناع الناخب الفرنسي. لكن النقطة التي جعلت لوبان تفقد الكثير من النقاط هو عجزها عن تبرير القرض الذي أخذه حزبها من بنك روسي، وهو الأمر الذي فاجأها به منافسها ليجعل منها امرأة مرتبطة بروسيا بوتين وبالتالي هي لا تصلح لحكم فرنسا.
سعيد الغماز

