بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في عالمٍ تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، وتتشابك فيه النجاحات بالانزعاجات، لا يكون حضور الدول القوية محايدًا أو عابرًا. فكل تجربة صاعدة في محيط إقليمي مضطرب، تتحول تلقائيًا إلى مرآة تُقارن بها بقية التجارب، لا من باب الإنصاف، بل أحيانًا من باب الإحباط أو التنافس غير المتوازن. وفي هذا السياق، لا يُقرأ صعود المغرب اليوم فقط كمسار تنموي داخلي، بل كتحول يفرض نفسه في محيطه، ويعيد ترتيب أسئلة القوة والنجاح والاستقرار في المنطقة.
- قراءة في خطاب العداء وصعود نموذج يربك المنطقة
ليس العداء دائمًا نتيجة صراع مباشر، ولا هو بالضرورة وليد لحظة سياسية عابرة. أحيانًا، يكون مجرد وجود نموذج ناجح كافيًا لإثارة القلق لدى من لم ينجحوا في بناء نموذجهم الخاص. في هذا السياق، يبرز المغرب اليوم كقصة صعود تدريجي، هادئ في أسلوبه، لكنه عميق في أثره ،صعود لم يمر دون أن يثير انزعاج بعض الأطراف التي وجدت نفسها أمام مرآة تعكس هشاشتها أكثر مما تعكس قوة غيرها. لقد اختار المغرب، منذ سنوات، طريقًا مختلفًا: طريق البناء بدل الصراع، والتنمية بدل الشعارات، والاستقرار بدل المغامرات. هذا الاختيار لم يكن سهلاً، ولم يكن خاليًا من التحديات، لكنه أثمر واقعًا جديدًا تُقاس فيه الدول بقدرتها على الإنجاز لا على الخطاب. من مشاريع البنية التحتية الكبرى، إلى التحول الصناعي في مجالات السيارات والطيران، وصولاً إلى تعزيز مكانته كوجهة استثمارية وسياحية، أصبح المغرب فاعلًا إقليميًا لا يمكن تجاهله. غير أن هذا الصعود، بدل أن يُقابل بروح التنافس الإيجابي، قوبل أحيانًا بخطاب عدائي يتغذى على التشكيك والتقليل. وهنا تبرز المفارقة: فبدل أن تنشغل بعض الأنظمة ببناء اقتصاداتها وتعزيز استقرارها الداخلي، اختارت أن تجعل من المغرب شماعة تُعلّق عليها إخفاقاتها. إنه سلوك يعكس أزمة أعمق ،أزمة عجز عن مواكبة التحولات، وأزمة خوف من نموذج يثبت أن النجاح ممكن في نفس البيئة الإقليمية. إن قوة المغرب لا تكمن فقط في أرقامه الاقتصادية أو مشاريعه الكبرى، بل في قدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي، وفي استمرارية مؤسساته، وفي الثقة التي تجمع بين الدولة والمجتمع. هذا التوازن، الذي تشكل عبر تاريخ طويل، يمثل عنصرًا حاسمًا في فهم سبب هذا “الانزعاج” الخارجي. فالنموذج الذي ينجح في تحقيق الاستقرار والتنمية معًا، يُربك كل من بنى شرعيته على الأزمات أو على منطق الصراع الدائم. ومع ذلك، فإن المغرب، وهو يواصل مساره، لا يقدم نفسه كنموذج مكتمل أو خالٍ من التحديات، بل كمشروع مستمر في البناء والتطوير. غير أن الفرق الجوهري يكمن في الاتجاه: هناك من يتقدم رغم الصعوبات، وهناك من يبرر تعثره بالبحث عن خصوم.
غير أن هذا الخطاب العدائي لا يتغذى فقط على المقارنات الاقتصادية أو التنافس الإقليمي، بل يجد امتداده أيضًا في الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتحول بعض المنصات إلى أدوات لتضخيم السرديات السلبية وإعادة إنتاج صور نمطية لا تعكس الواقع بقدر ما تعكس رغبة في التأثير عليه. فحين تعجز بعض الأطراف عن مجاراة نموذج معين على مستوى الإنجاز، تلجأ إلى معركة الصورة، محاولة التشويش على النجاحات أو التقليل من شأنها، في مسعى لإعادة التوازن الرمزي الذي اختل لصالح الطرف المتقدم.
كما أن هذا الرفض الضمني لصعود المغرب يرتبط أحيانًا برهانات جيوسياسية أعمق، حيث لم يعد مقبولًا لدى البعض أن تتحول دولة في المنطقة إلى قطب استقرار وشريك موثوق على المستوى الدولي والإفريقي. فنجاح نموذج يقوم على التدرج والإصلاح والاستمرارية، يُفقد بعض الخطابات التقليدية مبرراتها، ويطرح أسئلة محرجة حول أسباب التعثر في تجارب أخرى اختارت مسارات مختلفة. وهنا بالضبط، يتحول نجاح المغرب من مجرد تجربة وطنية إلى عنصر إعادة تشكيل في موازين التصور داخل المنطقة.
في النهاية، لا يمكن قياس قيمة الدول بما يُقال عنها، بل بما تُنجزه على أرض الواقع. والمغرب، وهو يواصل مسيرته بثبات، لا يلتفت كثيرًا إلى الضجيج بقدر ما يركز على ترسيخ مكتسباته وتعزيز موقعه. فالتاريخ لا يُكتب بردود الأفعال، بل بالفعل المستمر، ولا تُبنى المكانة بالصراخ، بل بالإنجاز.
ومن هنا، يصبح الحسد مهما اشتد شهادة غير مباشرة على واقع لا يمكن إنكاره، ودليلًا على أن هناك شيئًا يستحق أن يُنافس عليه. وكأن الرسالة أبلغ من كل تحليل، حين تختزلها الحكمة الملكية في كلمات موجزة عميقة:
“اللهم كثر حسادنا لأن كثرة الحساد تعني كثرة المنتزهات و الخيرات، أما من لا يملك شيئا فليس له ما يُحسدُ عليه.”


التعاليق (0)