في كل مرة يغيب فيها اسم بارز من الأسماء المرتبطة بجبهة البوليساريو، تعود إلى الواجهة الأسئلة نفسها: من يصنع هذه القيادات؟ ومن يحميها؟ ومن يقرر متى ينتهي دورها؟ فالجبهة التي قدمتها الجزائر لعقود باعتبارها حركة “تحرر” مستقلة، ينظر إليها عدد متزايد من المتابعين باعتبارها أحد أبرز أدوات المشروع الجزائري في الصحراء المغربية، وورقة جيوسياسية استُخدمت لاستنزاف المغرب وإبقاء النزاع مفتوحًا، وفي الوقت نفسه لتوجيه اهتمام الرأي العام الجزائري نحو صراع خارجي بدل الانشغال بالإخفاقات والتحديات الداخلية.
ومن هذا المنطلق، لا يبدو مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز مجرد حادث عسكري عابر أو خسارة فردية داخل التنظيم، بل حدثًا سياسيًا يثير تساؤلات أعمق حول مصير الشخصيات التي ارتبطت تاريخيًا بالمشروع الجزائري في المنطقة. فالرجل ليس مجرد مقاتل داخل الجبهة، بل نجل محمد عبد العزيز، أحد أبرز الوجوه التي قادت البوليساريو لعقود طويلة وشكلت جزءًا أساسيًا من بنيتها السياسية والتنظيمية قبل ان يرى نفس المصير سنة 2016 .
لقد أظهر تاريخ البوليساريو أن الوجوه تتغير، والقيادات تتعاقب، لكن الثابت الوحيد ظل يتمثل في استمرار النفوذ الجزائري على مفاصل القرار الكبرى داخل الجبهة. ولذلك فإن كل حدث يمس شخصية تحمل إرثًا سياسيًا أو رمزية خاصة يعيد طرح سؤال ظل حاضرًا منذ عقود: هل تملك قيادات البوليساريو قرارها الحقيقي، أم أنها تبقى رهينة حسابات تتجاوز المخيمات وتُرسم داخل دوائر السلطة في الجزائر؟
في هذا السياق، يكتسب مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز دلالة تتجاوز ظروف الحادث نفسه، لأنه يعيد فتح النقاش حول مستقبل القيادات المرتبطة بهذا المشروع، وحول حدود النفوذ المسموح لها به، وحول طبيعة العلاقة التي تربط الجبهة بالجهة التي وفرت لها منذ نشأتها الدعم السياسي والعسكري والمالي والدبلوماسي.
ففي عالم التنظيمات المرتبطة بمراكز نفوذ إقليمية، لا تكون أهمية الأحداث في وقوعها فقط، بل فيما تكشفه من توازنات وصراعات ومخاوف تتعلق بالمستقبل. ولهذا فإن موت لحبيب ولد محمد عبد العزيز لا يثير التساؤلات حول مصيره الشخصي فحسب، بل حول مصير جيل كامل من القيادات التي ارتبطت بالمشروع الجزائري في الصحراء المغربية، وحول مستقبل تنظيم ظل لعقود يتحرك داخل هامش ترسم حدوده اعتبارات إقليمية أكبر منه.
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية