لم أكن أريد أن أدلي بدلوي في حملة التراشق في وسائل التواصل الاجتماعي بين الجزائريين والمغاربة، والتي بلغت أوجهها في فترة تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا. وابتعادي عن هذا التراشق بين شعبين شقيقين، مرده إلى إيماني العميق والمتجذر بكون البلدين الشقيقين، بحكم موقعهما الجغرافي، لا مجال أمامهما إلا التعاون المشترك، إن أرادا بناء تنمية تخدم شعوب المنطقة.
لكن، حين تابعتُ وسائل إعلام رسمية جزائرية، وليس حسابات فايسبوكية، استغربت إلى أن هذه الوسائل الإعلامية، قامت بتحويل منافسات كأس أمم إفريقيا، من مباريات رياضية، إلى حلبة لتصفية حقد نفسي وسياسي، يعاني منه ساكنو قصر المرادية في العاصمة الجزائر.
“مغرب يعيش المستقبل، وجار يلعن الواقع”، هذه هي الصورة التي رسخها الإعلام الجزائري عن نفسه، بعد نجاح المغرب في تنظيم كأس أمم إفريقيا المغرب 2025 . ففي الوقت الذي نجح فيه المغرب في تنظيم حفل الافتتاح تحت المطر، كان الإعلام الجزائري في حالة سعار.
أنا لا أتحدث عن حسابات فايسبوكية، ولا قنوات يوتوبرز، ولا من يصفون أنفسهم بالمؤثرين. فالفضاء الأزرق، مفتوح للجميع، وكل صاحب حساب يعبر عن مستواه الثقافي والمعرفي وحتى الأخلاقي. وهنا أتحدث عن صاحب قناة جزائري، يتبول في الملعب، ويصور فعلته بالصوت والصورة، في مشهد مقزز يعكس كل معاني الرداءة والتخلف وغياب التربية والأخلاق.
أنا أتحدث عن الإعلام الرسمي الجزائري في القنوات التلفزية، والإذاعية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. في هذا الإعلام، سمعتُ أن المغرب بلد فقير، وأن الكثير من المغاربة لا يجدون قوت يومهم. سمعتُ أن المغرب استلف الحافلات وكل وسائل النقل من شركة اسبانية، وسيتم إرجاعها بعد انتهاء المنافسات. سمعتُ كذلك أن كل ما يُروِّج له المغرب من ملاعب عصرية وبنيات تحتية متقدمة، هي فقط مفبركة، وعبارة عن مونتاج بتقنية الأبعاد الثلاثية والذكاء الاصطناعي.
ألا يعلم الإعلام الجزائري أن التنمية لا تُفبرك، لكنها تفضح الحاقدين.
وقبل بداية كأس أمم افريقيا، سمعنا في الإعلام الرسمي الجزائري، أن المغرب قام فقط بترميم ملاعبه، وأنه يدعو الله أن لا يأتي المطر خلال فترة الكان، لكي لا ينفضح أمام العالم، وهو الذي “يتبجح” ببنياته التحتية وإنجازاته التنموية، كما جاء على لسان هذا الإعلام الرسمي. حتى أن أحدهم قال بأن المغاربة سيصلون صلاة الجفاف لكي لا يسقط المطر.
جاءت الجماهير الجزائرية، ومعها جماهير من العالم وليس من إفريقيا فقط. وافتتح المغرب كأس أمم إفريقيا في حفل مُبهر، وفي ملعب جميل وعصري، وتحت أمطار غزيرة. كل مباريات الدور الأول تمت تحت المطر في جميع المدن التي استقبلت مباريات الكان.
رغم أمطار الخير، تمت المباريات في أجواء رائعة، وتنظيم محكم، وتسيير مثالي. فبدأ المشجعون ينقلون صورا وأشرطة، تتحدث عن دورة استثنائية من الكان، وكأنها لا تقع في بلد افريقي، وإنما في بلد ينتمي للعالم المتقدم.
بدأت صور وأشرطة الطرقات والمطارات والملاعب ومحطات القطارات والمناطق الخضراء والمعالم السياحية….تغزو مواقع التواصل الاجتماعي. وبدأت حسابات جزائريين، خاصة المقيمين في بلدان أوروبية، تتحدث عن انبهارها بما حققه المغرب من بنيات تحتية وتنمية كبيرة. وحين يقارنون ما يشاهدون في المغرب بحال بلدهم الجزائر نسمع تعابير، أنقلها لكم كما سمعتها، من قبيل: “الهربة”، “المغرب لجدكم هرب على الجزائر”، “المغاربة بربي يعيشو فالمستقبل”، “شوف الجدك فين وصلوا المغاربة “، “بربي أنا نشوف هاد البنيات التحتية بعيني وخطيني من الفوتوشوب لي يتكلم عليه الاعلام الجزائري”.
لقد فضح كأس أمم إفريقيا بالمغرب، أزمة الخطاب الإعلامي في الجزائر. فالتنظيم المبهر في كان المغرب 2025، أظهر الحقد الإعلامي في القنوات الرسمية الجزائرية. واتضح للجميع المفارقة التالية: مغرب يصنع التنمية وإعلام جزائري يسبح في الحقد.
ما أشاهده في الإعلام الرسمي الجزائري من حقد على ما وصل إليه المغرب من تنمية وتقدم في مختلف المجالات. وما ألاحظه من هذا الإعلام الذي يتحدث وكأنه يمني النفس بأن يكون المغرب متخلفا والمغاربة فقراء، جعلني أتساءل مع نفسي: لماذا هذا الحقد الأعمى الذي يسكن الإعلام الرسمي الجزائري؟
لكن الأشرطة التي تتحدث عن التنمية في المملكة المغربية، وتنقل صورة بلد نام وصاعد، جعلتني أفهم أن هذه الأشرطة المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي، جعلت النظام الجزائري، يُصاب بمرض السُّعار وكأنه تلقى عضة من كلب مسعور.
إن تفاعل الإعلام الجزائري مع المشجعين الذين أبهرهم مستوى التنمية والبنيات التحتية في المملكة الشريفة، جعلني أقتنع أن الجزائر تعيش تحت نظام لا يفهم في التنمية، ولا في البناء الاقتصادي، ولا في تطوير البنيات التحتية، ولا في صناعة النماذج التنموية الناجحة. عَجْز النظام الجزائري عن بناء نموذج تنموي ناجح في الجزائر، جعله يُمنِّي النفس بأن يفشل المغرب في تنظيم كأس أمم افريقيا.
إنه نظام جزائري يريد أن يتنافس في الرداءة، وفي من هو أكثر تخلفا من الآخر، لتبرير إخفاقاته رغم توفره على ثروات في البترول والغاز. وفي المقابل، المملكة المغربية تريد التنافس في التنمية والتقدم والمشاريع الناجحة.
ما دام النظام الجزائري، يريد أن يسبح مع المغرب في بحر التخلف والرداءة والمشاريع الفاشلة والتسابق نحو التسلح للتغطية على فساد الجنيرالات الحاكمين في قصر المرادية. ومادام المغرب يسبح في بحر التنمية والتقدم والبلدان الصاعدة، فالأجدر بالإعلام الجزائري أن يهتم بالشؤون الداخلية للجزائر، وبتخلف بنياتها التحتية عن جارها الغربي الذي “هرب، ويعيش في المستقبل” حسب تعبير المؤثرين الجزائريين.
الابتعاد عن الاهتمام بالمغرب والمغاربة، والاهتمام بالأوضاع الداخلية للجزائر، هو الطريق الأسلم للإعلام الجزائري، إن أراد فعلا إسداء خدمة وطنية للجزائر. أما أن يُمنِّي النفس بأن يشاهد مغربا فاشلا ومغاربة فقراء، ليجد تبريرا أمام الشعب الجزائري، للأوضاع السائدة في بلدهم، فهذا لن يوقف قطار التنمية لبلد صاعد اسمه المغرب، ولن يساهم في تحريك قطار التنمية المعطوب في الجزائر.
سعيد الغماز كاتب وباحث في التنمية
