أثارت كلمة “الفراقشية”، التي استعملها نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في حديثه عن بعض الممارسات داخل عدد من القطاعات، ومن بينها الصناعة التقليدية، ردود فعل غاضبة وسط بعض الصناع التقليديين والحرفيين بتيزنيت.
والغضب مفهوم من حيث الشكل. فالكلمة قاسية، وحمولتها الشعبية جارحة، خصوصا حين تُذكر في مدينة ارتبط اسمها بالفضة، وبالصانع التقليدي، وبقيسارية المجوهرات، وبحرفة ظلت لعقود جزءا من هوية تيزنيت وصورتها داخل المغرب وخارجه.
لكن، بعيدا عن الانفعال الأول، هناك سؤال لا بد من طرحه: هل كان بنعبد الله يقصد الصانع التقليدي الحقيقي؟ أم كان يتحدث عن الدخلاء، وعن من يسيئون إلى الحرفة من داخل محيطها أو باسمها؟
إذا كان المقصود هو الصانع النزيه، فذلك خطأ سياسي وأخلاقي يستحق التوضيح والاعتذار. أما إذا كان المقصود هم المتلاعبون، والسماسرة، ومن يركبون على اسم الصناعة التقليدية دون احترام لقيمها، فلماذا يغضب الصانع الحقيقي من خطاب كان يفترض أن يدافع عنه؟
كلمة جارحة.. لكنها فتحت ملفا مسكوتا عنه
لا أحد يجادل في أن كلمة “الفراقشية” ليست موفقة من حيث اللباقة السياسية. كان يمكن استعمال عبارات أدق: الدخلاء، المتلاعبون، سماسرة القطاع، أو من يسيئون إلى سمعة الحرفة.
لكن قوة اللفظ لا يجب أن تمنعنا من النظر إلى جوهر النقاش.
هل قطاع الصناعة التقليدية في تيزنيت بخير؟
هل كل من يتحدث باسم الحرفيين يمثلهم فعلا؟
هل الصانع الصغير حاضر في القرار المهني؟
هل المنتوج التقليدي محمي بما يكفي من الرداءة والغش والمنافسة غير الشريفة؟
وهل كل من يستفيد من اسم فضة تيزنيت يخدم فعلا هذه الحرفة؟
هذه هي الأسئلة التي كان يفترض أن تخرج من رحم الغضب. أما الاكتفاء بالاحتجاج على الكلمة، فقد يحول النقاش من قضية مهنية عميقة إلى خصومة لفظية محدودة.
الصانع الحقيقي ليس متهما
الصانع التقليدي النزيه في تيزنيت لا يحتاج إلى شهادة من حزب ولا من سياسي. قيمته يعرفها الناس. يعرفها من زار القيسارية، ومن اقتنى قطعة فضية، ومن رأى بأم عينه كيف تتحول المادة الخام إلى حلي يحمل نفس المدينة وذاكرة أجيال من الحرفيين.
هذا الصانع لا علاقة له بـ“الفراقشية”. بل هو، إن صح التعبير، أول المتضررين منهم.
هو المتضرر من الدخلاء.
والمتضرر من الغش.
والمتضرر من من يستعملون اسم الحرفة للواجهة فقط.
والمتضرر من كل من يخلط بين الصناعة التقليدية كموروث، وبين الصناعة التقليدية كفرصة للريع أو التموقع أو النفوذ.
لذلك، كان يمكن أن يكون الرد أقوى لو خرج الصناع الحقيقيون ليقولوا: لسنا معنيين بهذه الكلمة، لكننا معنيون بفتح ملف من يسيء إلى حرفتنا.
هذا الرد كان سيكون أبلغ من أي بيان غاضب.
لماذا نخاف من تسمية الدخلاء؟
في كل قطاع توجد فئة تشتغل بجد، وفئة تعيش على الهامش، وفئة تبحث عن موقع دون أن تقدم شيئا حقيقيا. الصناعة التقليدية ليست استثناء.
هناك صانع يحافظ على الجودة، وآخر يبيع باسم الجودة.
هناك حرفي يصون سمعة فضة تيزنيت، وآخر يستغلها.
هناك من يعيش من عرق يده، وهناك من يعيش من القرب من مواقع التمثيل والقرار.
ولهذا، فالنقاش لا يجب أن يتوقف عند بنعبد الله. السؤال الأهم هو: من يحمي الصانع الحقيقي داخل هذا القطاع؟ ومن يتحدث باسمه؟ ومن يستفيد من الفوضى؟ ومن يربح من بقاء الأمور ضبابية؟
حين يتحول الغضب إلى رفض كامل لأي نقد، يصبح الخاسر هو الصانع نفسه. لأن الصمت عن الخلل لا يحمي الحرفة، بل يحمي من يستفيد من اختلالاتها.
تيزنيت والفضة.. أكثر من نشاط تجاري
تيزنيت لا يمكن أن تتعامل مع الصناعة التقليدية كملف عادي. الفضة هنا ليست مجرد تجارة. إنها جزء من صورة المدينة، ومن ذاكرتها، ومن جاذبيتها، ومن اقتصادها المحلي.
القيسارية ليست بناية تجارية فقط. إنها عنوان. ومن يسيء إلى سمعة الفضة، يسيء إلى المدينة كلها. ومن يضعف ثقة الزبون في المنتوج، يضرب قوت عشرات الحرفيين. ومن يستغل الحرفة في الصراعات السياسية أو المهنية، يسيء إلى تاريخ طويل صنعته الأيادي لا الخطب.
لهذا، فالغضب الحقيقي يجب أن يكون موجها ضد كل من يفرغ الحرفة من قيمتها. ضد الرداءة. ضد الغش. ضد السمسرة. ضد احتكار الكلام باسم المهنيين. ضد تحويل الصانع إلى ديكور انتخابي أو واجهة مناسباتية.
أما الغضب من الكلمة وحدها، فقد يرضي الشعور للحظات، لكنه لا يحل أصل المشكل.
السياسة حاضرة في الخلفية
لا يمكن فصل هذا الجدل عن الذاكرة السياسية لتيزنيت. فحزب التقدم والاشتراكية كانت له، لسنوات، علاقة قوية بالمدينة وبعدد من أوساطها الاجتماعية والمهنية. والصناع التقليديون والحرفيون كانوا، بشكل أو بآخر، جزءا من هذا المحيط أو قريبين منه في مراحل معينة.
لذلك، لم تُقرأ كلمة بنعبد الله كتصريح سياسي فقط. قرأها البعض كرسالة من حزب كان يعتبر هذه الفئة قريبة منه، أو كعلامة على توتر جديد في علاقة قديمة.
وهنا يطرح سؤال آخر: هل الغضب الحالي دفاع صاف عن كرامة الصانع؟ أم أن جزءا منه مرتبط بتحولات سياسية ومهنية عرفتها المدينة، بعدما اختار بعض الحرفيين والفاعلين مسارات أخرى خارج دائرة حزب الكتاب؟
السؤال مشروع. لأن الحرفة، عندما تدخل كثيرا في الحسابات الحزبية، يفقد الصانع صوته الحقيقي. يصبح مطلوبا وقت التعبئة، ومنسيا وقت القرار.
من يمثل الصانع فعلا؟
هذه القضية كشفت، مرة أخرى، أزمة التمثيلية داخل عدد من القطاعات المهنية.
من يتحدث باسم الصناع التقليديين بتيزنيت؟
هل هم الحرفيون داخل الورشات والمحلات؟
أم بعض الوجوه التي تظهر في المناسبات والهيئات والغرف؟
هل صوت الصانع الصغير مسموع؟
أم أن اسمه يُستعمل كلما احتاج البعض إلى موقف أو بيان أو ضغط سياسي؟
الصانع الذي يفتح محله كل صباح لا يحتاج إلى صراخ موسمي. يحتاج إلى سوق حي، ورواج، وحماية للمنتوج، وعدالة في المعارض، وتكوين، وتسويق، ومراقبة للجودة، ودفاع حقيقي عن مصالحه.
أما المعارك اللفظية، فهي لا تبيع قطعة فضة، ولا تعيد زبونا، ولا تحمي حرفة.
بنعبد الله مطالب بالتوضيح.. والصناع مطالبون بالمصارحة
من جهة، كان على نبيل بنعبد الله أن يكون أكثر دقة في العبارة. رجل سياسي بخبرته يعرف أن كلمة واحدة في مدينة مثل تيزنيت يمكن أن تفهم بطرق مختلفة، خصوصا حين يتعلق الأمر بالصناعة التقليدية.
كان يمكنه أن يقول بوضوح إنه يقصد الدخلاء والمتلاعبين، لا الصناع الحقيقيين. هذا التوضيح كان سيمنع كثيرا من الالتباس.
لكن من جهة أخرى، على الصناع الحقيقيين ألا يكتفوا بالغضب من الكلمة. عليهم أن يطرحوا السؤال الذي يهمهم فعلا: من هم الذين يسيئون إلى القطاع؟ ومن يحتمي باسم الحرفة؟ ومن يستفيد من تمثيلية لا تصل دائما إلى الحرفي البسيط؟
إذا كان القطاع سليما، فليُفتح النقاش بكل ثقة. وإذا كانت فيه اختلالات، فالأولى أن يكشفها أهله قبل غيرهم.
لا تجعلوا الدخلاء يربحون مرتين
الخطر اليوم أن يربح الدخلاء مرتين.
يربحون مرة حين يسيئون إلى الحرفة في صمت.
ويربحون مرة ثانية حين يتحول النقاش إلى غضب من كلمة، بدل أن يتحول إلى مساءلة لمن يعبث بصورة الصناعة التقليدية.
الصانع الحقيقي في تيزنيت لا يخاف من النقد. يخاف من السكوت. لا يخاف من كشف المتلاعبين. يخاف من أن يظل المتلاعبون مختبئين وسط المهنيين الشرفاء.
ولهذا، فالرد الأقوى ليس أن نقول فقط إن الصناع ليسوا “فراقشية”. هذا أمر بديهي. الرد الأقوى هو أن يقول الصناع: لسنا فراقشية، ولن نسمح لمن يسيء إلى حرفتنا أن يختبئ بيننا.
قضية “الفراقشية” لم تكن مجرد خلاف حول كلمة. لقد كشفت حساسية قطاع يشعر بالتعب، وبضعف الإنصاف، وبثقل السياسة على الحرفة.
لكنها كشفت أيضا أن الصناعة التقليدية في تيزنيت تحتاج إلى نقاش شجاع، لا إلى غضب سريع. تحتاج إلى حماية الصانع الحقيقي، وتنظيف القطاع من الدخلاء، وإعادة الاعتبار للفضة، وفصل الحرفة عن حسابات النفوذ والتموقع.
قد تكون عبارة بنعبد الله قاسية. وقد يكون مطالبا بتوضيحها. لكن السؤال الذي لا يجب أن يضيع وسط الضجيج هو: من يسيء فعلا إلى الصناعة التقليدية بتيزنيت؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق الغضب.

