بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
حين يخرج علينا إبراهيم غالي، المعروف بلقب «بن بطوش»، من مخيمات تندوف ليقترح على المغرب «تقاسم فاتورة السلام»، فنحن لسنا أمام مبادرة سياسية بقدر ما نحن أمام عرض كلامي متأخر عن الزمن. فالمشهد، بكل تفاصيله، أقرب إلى مسرح العبث منه إلى فضاء السياسة الواقعية.
الإشكال هنا لا يكمن فقط في مضمون التصريح، بل في صاحبه. فغالي لا يملك، من حيث الواقع السياسي، الاستقلال الذي يؤهله للحديث لا عن سلام ولا عن اقتسام. هو مجرد واجهة خطابية لكيان ظل، منذ نشأته، يتحرك ضمن الهوامش التي ترسمها دوائر القرار في قصر المرادية. لذلك يبدو الرجل أقرب إلى «أركوز سياسي» يُحرَّك بالخيوط، يردد ما يُملى عليه، ويتكفل باستهلاك الخطاب أمام الكاميرات.
هذا التحول المفاجئ من لغة التهديد والحرب إلى مفردات «المرونة» و«الحل المقبول» لا يمكن عزله عن السياق الدولي الضاغط. فالدينامية الأمريكية الأخيرة في المنطقة، والدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، جعلا خطاب البوليساريو التقليدي يفقد صلاحيته. ومع تضييق الخناق الدبلوماسي، لم تجد الجبهة سوى تغيير القاموس، دون القدرة على تغيير الواقع.
لكن عن أي «فاتورة» يتحدث غالي؟ وهل يملك أصلًا صفة من يتحمل أو يقاسم؟ فالجبهة التي تزعم تمثيل الصحراويين راكمت سجلًا مثقلًا بالأسئلة، من احتجاز المدنيين في مخيمات مغلقة، إلى تقارير دولية عن سوء تدبير المساعدات الإنسانية. الحديث عن السلام، في ظل هذا الإرث، يبدو أقرب إلى محاولة للهروب من المحاسبة منه إلى بحث جدي عن الحل.
الأكثر إثارة للسخرية هو تصريح غالي بأن الجبهة «لن تحل محل الصحراويين»، وكأنها لم تفعل ذلك لعقود. فقد صودرت أصوات المحتجزين، ونُصّبت القيادة وصيًا أبديًا على مصيرهم، في فضاء تحكمه الحسابات الأمنية الإقليمية أكثر مما تحكمه إرادتهم.
في الجهة المقابلة، يواصل المغرب مقاربته الهادئة والواقعية، المبنية على التنمية، والدبلوماسية، ومبادرة الحكم الذاتي كحل عملي يحظى بدعم دولي متنامٍ. هذه المقاربة لا تشتغل بمنطق الفواتير، بل بمنطق الاستثمار في الاستقرار، حيث تُدفع كلفة السلام بالبناء لا بالمزايدات.
خلاصة القول، إن «فاتورة السلام» التي لوّح بها بن بطوش ليست سوى ورقة أخرى من أوراق الاستهلاك السياسي. فالسلام لا يصنعه من لا يملك قراره، ولا يقاسمه من يعيش على هامش القرار. وقطار التسوية، الذي يسير بثبات على سكة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لا ينتظر أركوزًا تأخر طويلًا وهو يلوّح بتذاكر فقدت صلاحيتها منذ زمن.
