غلاء الأضاحي يحاصر الأسر.. ماذا وقع حتى صار العيد ثقيلاً؟

صورة تعبيرية تعكس تأثير ارتفاع أسعار الأضاحي على الأسر قبيل عيد الأضحى.

في كل سنة، كان اقتراب عيد الأضحى يوقظ في البيوت المغربية شيئاً من الفرح والانتظار. كان الحديث يبدأ من حجم الأضحية، ومن السوق، ومن زيارة “الرحبة”، ومن الأطفال الذين ينتظرون المناسبة بعيون واسعة. لكن هذا العام، كما في السنوات الأخيرة، دخل سؤال آخر إلى البيوت: هل نستطيع الشراء أصلاً؟

لم يعد النقاش داخل عدد من الأسر يدور حول اختيار الخروف المناسب، بل حول القدرة على تحمل ثمنه. هناك عائلات تحسب مصاريف الشهر قبل العيد وبعده، وتوازن بين الكراء، والكهرباء، والدراسة، والعلاج، وثمن الأضحية. وفي نهاية الحساب، تجد نفسها أمام قرار موجع: التخلي عن النسك هذه السنة، لا استخفافاً بالشعيرة، بل لأن الظروف أقوى من الرغبة.

هذا هو الوجه الاجتماعي الأكثر إيلاماً في غلاء الأضاحي. فالأمر لا يتعلق بسعر في السوق فقط، بل بإحساس عميق لدى المواطن بأنه لم يعد يفهم ما يجري. يسمع عن إجراءات حكومية، وعن دعم مباشر لمربي الماشية، وعن برامج لإعادة تكوين القطيع، ثم يدخل السوق فيجد الأسعار ما تزال فوق قدرته. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: أين يضيع أثر الدعم قبل أن يصل إلى جيب المستهلك؟

رسمياً، أعلنت وزارة الفلاحة عن صرف دعم مالي مباشر لفائدة مربي الماشية في إطار برنامج إعادة تكوين القطيع الوطني، استناداً إلى نتائج الإحصاء الوطني للقطيع وعملية الترقيم، بهدف إعادة توازن الإنتاج الحيواني وتعزيز صمود القطاع أمام التحديات المناخية. كما أشارت بوابة المغرب الرسمية، في مارس 2026، إلى إطلاق عملية المراقبة وصرف الشطر الثاني من الدعم بعد التحقق من الاحتفاظ بالإناث التي تم إحصاؤها وترقيمها.

لكن بين منطق الإدارة ومنطق السوق، توجد مسافة يشعر بها المواطن بقسوة. فالأسرة لا تقرأ البلاغات وهي تحمل محفظتها إلى السوق، بل تقرأ الأسعار المعلقة في أعين الباعة، وتسمع الأرقام التي تقفز فوق قدرتها. ولذلك يبدو الغضب مفهوماً، لأن الناس لا تناقش فقط كلفة القطيع، بل تناقش معنى الدعم عندما لا ينعكس بوضوح على الثمن النهائي.

وتشير تقارير صحفية حديثة إلى أن الجدل حول أسعار الأضاحي عاد بقوة مع اقتراب العيد، رغم الحديث عن تعافي القطيع وتحسن الوفرة مقارنة بالسنة الماضية. فقد تناولت الجزيرة، في تقرير اقتصادي نشر في ماي 2026، سؤال ما إذا كان تعافي قطيع الماشية في المغرب سيدفع إلى انخفاض الأسعار، مشيرة إلى انتقال القطاع من مرحلة “إنقاذ القطيع” إلى مرحلة “التعافي والوفرة”، مع بقاء مخاوف مرتبطة باستمرار الغلاء.

هنا تظهر المفارقة: إذا كان القطيع يتعافى، وإذا كان الدعم وصل إلى جزء من المربين، فلماذا يبقى المواطن أمام أرقام مرهقة؟ الجواب لا يبدو بسيطاً. هناك كلفة الأعلاف، والنقل، والوساطة، وتراجع القدرة الشرائية، والجفاف الذي أنهك القطاع في سنوات سابقة، وسلوك بعض المضاربين الذين يحولون المناسبة الدينية إلى فرصة ضغط على جيوب الناس. لكن تعدد الأسباب لا يجب أن يتحول إلى طريقة لإعفاء السوق من المساءلة.

المواطن البسيط لا يريد خطاباً معقداً. يريد جواباً واضحاً: لماذا لا ينخفض الثمن بما يكفي؟ ومن يستفيد من الفارق بين الدعم المعلن والسعر النهائي؟ وهل توجد مراقبة فعلية للمسار من الضيعة إلى السوق؟ وهل يكفي دعم الكسابة إذا كان الوسط التجاري قادراً على ابتلاع أثره قبل أن يصل إلى الأسر؟

في أسواق الماشية، لا تظهر الأزمة في الأرقام وحدها، بل في الوجوه. أب يقف طويلاً أمام الخرفان ثم يغادر. أم تحاول إقناع أطفالها بأن العيد ليس فقط أضحية. شباب يناقشون في المقاهي قرار الأسرة بعدم الشراء هذه السنة. وبيوت كثيرة تخوض صراعاً صامتاً بين الرغبة في الحفاظ على العادة والقدرة المحدودة على مواجهة الغلاء.

الأشد قسوة أن بعض الأسر قد تشعر بالحرج الاجتماعي من عدم اقتناء الأضحية، رغم أن العذر المادي واضح وقاهر. وهذه نقطة يجب قولها بلا تردد: لا يجوز أن يتحول العيد إلى امتحان للكرامة الاجتماعية. فالشعيرة لا ينبغي أن تتحول، بفعل الغلاء والمقارنات والضغط، إلى مصدر ألم لمن لا يستطيع.

إن ارتفاع أسعار الأضاحي لا يمس سوق الماشية فقط، بل يكشف هشاشة أوسع في حياة الأسر. عندما يصبح قرار ديني واجتماعي كبير رهيناً بقرض صغير، أو بيع غرض من البيت، أو التضحية بمصاريف أساسية، فإننا لا نكون أمام مشكلة موسمية خاصة، بل أمام أزمة قدرة شرائية وثقة في السياسات العمومية.

المطلوب اليوم ليس فقط إعلان الدعم، بل قياس أثره الحقيقي على السعر النهائي. والمطلوب ليس فقط مراقبة الأسواق أياماً قليلة قبل العيد، بل تفكيك حلقات الوساطة والمضاربة التي ترفع الأسعار بلا رحمة. والمطلوب أيضاً خطاب صادق مع المواطنين، يشرح أين نجحت الإجراءات وأين تعثرت، بدل ترك الأسر تواجه الغلاء وحدها.

لقد صار العيد، بالنسبة لكثيرين، اختباراً قاسياً لا علاقة له بالفرح. ومع ذلك، لا ينبغي أن يُلام من اختار التخلي عن الأضحية هذه السنة بسبب عذر مادي. فالكرامة قبل المظاهر، والرحمة قبل السوق، والدين لا يطلب من الناس ما لا يستطيعون.

هذا، وسيبقى السؤال معلقاً إلى أن يجد جواباً عملياً في الأسواق لا في البلاغات: إذا كانت الدولة دعمت، والقطيع يتعافى، والإجراءات معلنة، فلماذا ما زالت أسر كثيرة تشعر أن الأضحية تبتعد عنها سنة بعد أخرى؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله