ماكرون يستقبل صدام حفتر.. ورسالة جديدة إلى نظام لا يزال يحلم بالهيمة و الوصاية على المنطقة
لم يكن استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للفريق أول ركن صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، مجرد لقاء بروتوكولي عابر بين باريس وأحد أبرز الفاعلين العسكريين في الشرق الليبي. فالحدث، في توقيته وسياقه الإقليمي، يحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية ليعكس تحولات عميقة في هندسة التوازنات السياسية والأمنية بشمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
فبينما كانت الجزائر تراهن خلال السنوات الماضية على موقعها الجيوسياسي وثقلها الطاقي لفرض نفسها كقوة إقليمية لا غنى عنها في ملفات المنطقة، تبدو التطورات الأخيرة وكأنها ترسم طوقاً سياسياً متزايداً حول مشروع الهيمنة الذي يسعى النظام العسكري الجزائري إلى تكريسه داخل محيطه المباشر.
لقد بدأت المؤشرات تتراكم منذ فترة. فالعلاقات المغربية الفرنسية عادت إلى مسارها التصاعدي بعد سنوات من التوتر، وتُوِّج ذلك باعتراف باريس بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية ودخول الشراكة بين البلدين مرحلة استراتيجية جديدة. وفي الجنوب، دخلت العلاقات الجزائرية مع مالي مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعدما اتهمت باماكو السلطات الجزائرية بالتدخل في شؤونها الداخلية وبمحاولة التأثير على معادلات الصراع داخل منطقة الساحل.
واليوم يأتي الانفتاح الفرنسي المتزايد على معسكر خليفة حفتر ليضيف ضلعاً جديداً إلى مثلث الضغوط السياسية المحيط بالجزائر، ويؤكد أن باريس بصدد إعادة ترتيب أوراقها وفق قراءة جديدة لموازين القوى الإقليمية.
منطق الهيمنة وصناعة الأزمات
المشكلة الأساسية التي تواجه السياسة الخارجية الجزائرية لا تكمن في خلافاتها الظرفية مع هذا البلد أو ذاك، بل في المقاربة التي تحكم سلوك المؤسسة العسكرية تجاه محيطها الإقليمي. فمنذ عقود، يتصرف النظام الجزائري باعتباره صاحب حق حصري في إدارة ملفات الدول المغاربية والساحل، رافضاً الاعتراف بالتحولات التي تشهدها المنطقة أو بظهور قوى إقليمية أخرى تمتلك رؤيتها ومصالحها الخاصة.
هذا المنطق القائم على احتكار النفوذ جعل الجزائر تدخل في نزاعات سياسية متزامنة مع عدة أطراف. فالعلاقة مع المغرب وصلت إلى مرحلة القطيعة الكاملة، والعلاقة مع مالي تشهد توترات متصاعدة، فيما تتعقد علاقاتها مع عدد من العواصم الإفريقية والعربية بسبب اختلاف الرؤى حول قضايا الأمن والتنمية والشراكات الدولية.
وفي هذا السياق، يبدو التقارب الفرنسي مع شخصيات ومراكز نفوذ تُصنف تقليدياً خارج دائرة الحلفاء الجزائريين بمثابة رسالة واضحة مفادها أن العواصم الكبرى لم تعد تنظر إلى الجزائر باعتبارها البوابة الوحيدة أو الشريك الحصري في المنطقة.
فرنسا تبحث عن بدائل
من منظور استراتيجي، تدرك باريس أن التحولات الجارية في الساحل وشمال إفريقيا تفرض عليها تنويع شركائها وعدم رهن مصالحها بعلاقة واحدة مهما كانت أهميتها. ولذلك فإن الانفتاح على شرق ليبيا، وتعزيز الشراكة مع المغرب، وإعادة بناء الجسور مع قوى إقليمية جديدة، كلها خطوات تندرج ضمن سياسة فرنسية تهدف إلى توزيع مراكز النفوذ وتقليص هامش الابتزاز السياسي الذي قد ينشأ عن الاعتماد على طرف واحد.
وبالنسبة لصناع القرار في الجزائر، فإن هذه التحركات تمثل تطوراً مقلقاً لأنها تعني تراجع القدرة على احتكار الملفات الإقليمية، خصوصاً في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات متسارعة على المستويات الأمنية والاقتصادية والطاقية.
العزلة ليست مؤامرة
الخطأ الذي يقع فيه كثير من الخطاب الرسمي الجزائري هو تفسير كل انتكاسة دبلوماسية باعتبارها نتيجة مؤامرة خارجية. غير أن القراءة الموضوعية تشير إلى أن العزلة لا تُفرض من الخارج بقدر ما تُصنع من الداخل عندما تتحول السياسة الخارجية إلى أداة للصراع الدائم بدل أن تكون وسيلة لبناء الشراكات.
فالدول لا تقيس علاقاتها بمنطق الشعارات أو الحسابات الإيديولوجية، بل بمنطق المصالح والاستقرار والقدرة على إنتاج الحلول. وعندما يصبح بلد ما طرفاً في معظم الأزمات المحيطة به، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه ليس لماذا يبتعد الآخرون عنه، بل لماذا فشل في بناء الثقة معهم.
الدائرة تكتمل
من المغرب غرباً إلى مالي جنوباً، ومن ليبيا شرقاً، تتشكل معالم واقع إقليمي جديد لا ينسجم مع الطموحات التقليدية للنظام العسكري الجزائري. فالدائرة التي كانت الجزائر تسعى إلى رسمها حول جيرانها باعتبارها مركز الثقل الوحيد في المنطقة، تبدو اليوم وكأنها تدور في الاتجاه المعاكس.
إنها لحظة تعيد التأكيد على حقيقة سياسية ثابتة: النفوذ لا يُفرض بالقوة ولا بالشعارات، بل يُكتسب عبر بناء التحالفات واحترام سيادة الدول وتقديم نموذج قادر على الإقناع. أما الرغبة في الهيمنة على كل شيء، فغالباً ما تنتهي إلى خسارة الكثير من الأشياء دفعة واحدة.
بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
