لم تمضِ سوى أيام قليلة على تحقيق أمل تيزنيت صعوده التاريخي إلى القسم الأول من البطولة الاحترافية، حتى انتقل رئيس النادي فؤاد المودني رسمياً من واجهة المشهد الرياضي إلى قلب المنافسة السياسية، عقب تزكيته وكيلاً للائحة حزب الأصالة والمعاصرة بالدائرة التشريعية لإقليم تيزنيت.
وبهذه التزكية، يكون حزب «الجرار» قد حسم اختياره لصالح اسم راكم جزءاً كبيراً من حضوره وشعبيته داخل كرة القدم، مستفيداً من الإنجاز غير المسبوق الذي حققه أمل تيزنيت، بعدما تمكن للمرة الأولى في تاريخه من بلوغ القسم الأول الاحترافي.
ويعيد هذا الانتقال السريع من رئاسة نادٍ صاعد إلى قيادة لائحة انتخابية طرح العلاقة الملتبسة بين الرياضة والسياسة، خصوصاً عندما تتحول الإنجازات الجماعية داخل الملاعب إلى رصيد انتخابي تستثمره الأحزاب في استقطاب المرشحين وتعزيز حظوظها داخل الدوائر التنافسية.
من منصة الصعود إلى رأس اللائحة
نجح فؤاد المودني، الذي تولى رئاسة أمل تيزنيت سنة 2019، رفقة مكتبه المسير وباقي مكونات النادي، في قيادة الفريق خلال مسار تصاعدي انطلق من أقسام الهواة وانتهى بالوصول إلى القسم الأول من البطولة الاحترافية.
وحسم الفريق التيزنيتي صعوده أمام أولمبيك الدشيرة، بعد انتهاء مباراة الذهاب بالتعادل دون أهداف، ثم التعادل بهدف لمثله في لقاء الإياب، ليستفيد أمل تيزنيت من قاعدة الهدف المسجل خارج الميدان ويحقق إنجازاً تاريخياً انتظرته المدينة طويلاً.
وارتبط اسم المودني خلال هذه المرحلة بصورة الرئيس الذي حافظ على الاستقرار الإداري والمالي، وعمل على استقطاب المحتضنين وتوفير شروط المنافسة، إلى جانب بناء علاقة قوامها الثقة مع اللاعبين والأطقم التقنية المتعاقبة، وفق ما أوردته تقارير رياضية واكبت مسار النادي.
غير أن النجاح الرياضي لم يبق محصوراً داخل أسوار النادي، بل تحول سريعاً إلى رصيد شعبي وسياسي، انتهى بحصول المودني على التزكية الرسمية لحزب الأصالة والمعاصرة وكيلاً للائحته بالدائرة التشريعية لتيزنيت.
وهكذا، وجد رئيس أمل تيزنيت نفسه ينتقل في ظرف زمني وجيز من الاحتفال مع الجماهير ببطاقة الصعود إلى الاستعداد لقيادة واحدة من أبرز اللوائح الانتخابية بالإقليم.
«البام» يستثمر في الرصيد الكروي
اختيار المودني يعكس توجهاً حزبياً نحو استقطاب أسماء تتمتع بحضور خارج البنيات السياسية التقليدية، وقادرة على الدخول إلى المنافسة الانتخابية وهي تحمل رأسمالاً شعبياً جاهزاً.
فبدلاً من الاعتماد حصراً على الأطر الحزبية التي راكمت سنوات من العمل التنظيمي، باتت الأحزاب تبحث عن رجال أعمال وأعيان ومسيرين رياضيين وشخصيات معروفة محلياً، لما تمتلكه من شبكات علاقات وقدرة على التعبئة واستقطاب الأصوات.
وفي حالة فؤاد المودني، تبدو كرة القدم عاملاً مركزياً في المعادلة؛ فهو لم يقدم إلى المشهد المحلي من بوابة العمل الحزبي وحده، بل من بوابة فريق يمثل مدينة بأكملها، ويحظى بتعاطف جمهور واسع يتجاوز الحدود التنظيمية للأحزاب.
ويبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة أدرك القيمة السياسية لهذا الرصيد، خصوصاً بعد الصعود التاريخي لأمل تيزنيت، فاختار وضع المودني في مقدمة لائحته، في محاولة لترجمة الشعبية الرياضية إلى قوة انتخابية داخل صناديق الاقتراع.
على شاكلة لقجع
يفرض صعود المودني إلى واجهة «البام» في تيزنيت مقارنة سياسية مع فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والوزير المنتدب المكلف بالميزانية، الذي التحق بدوره بحزب الأصالة والمعاصرة استعداداً للاستحقاقات الانتخابية.
ولا يعني هذا التشبيه أن التجربتين متطابقتان من حيث المسؤوليات أو الحضور الوطني أو طبيعة المسار، لكنه يكشف عن وصفة حزبية متشابهة: الاستفادة من النجاح داخل كرة القدم وتحويله إلى ورقة سياسية وانتخابية.
فلقجع بنى جزءاً كبيراً من حضوره العام من خلال التحولات التي عرفتها كرة القدم المغربية والنتائج التي حققتها المنتخبات الوطنية، قبل أن يصبح اسمه عنصراً وازناً في الحسابات السياسية والوطنية. أما المودني، فقد راكم رصيده محلياً من خلال المسار الذي نقل أمل تيزنيت من أقسام الهواة إلى القسم الأول الاحترافي.
وبين التجربتين، تبدو كرة القدم مرة أخرى قادرة على صناعة أسماء تتجاوز حدود الملاعب، وتمنح أصحابها شرعية جماهيرية تستطيع الأحزاب توظيفها في السباق نحو المؤسسات المنتخبة.
هل الصعود إنجاز فردي؟
مهما كان الدور الذي اضطلع به فؤاد المودني في إعادة بناء أمل تيزنيت وتحقيق الصعود، فإن المسؤولية الإعلامية والسياسية تقتضي التأكيد أن هذا الإنجاز لم يصنعه شخص واحد.
فالصعود تحقق بمساهمة المكتب المسير، والأطر التقنية، واللاعبين، والمنخرطين، والجماهير، والمحتضنين، والسلطات الترابية، والمجالس المنتخبة، والفعاليات الاقتصادية، وكل الجهات التي قدمت دعماً مادياً أو معنوياً أو لوجستياً للفريق.
ولذلك، لا ينبغي أن يتحول الإنجاز الجماعي إلى ملكية سياسية خاصة، أو أن يُقدَّم للرأي العام كما لو كان حصيلة فردية لمرشح أو هدية حزبية لمدينة تيزنيت.
من حق المودني أن يضع تجربته الرياضية ضمن حصيلته الشخصية، وأن يقدم نفسه للناخبين باعتباره مسيراً نجح في قيادة مؤسسة رياضية نحو هدف تاريخي. لكن من حق باقي مكونات أمل تيزنيت أيضاً أن ترفض اختزال سنوات من التضحيات في مسار انتخابي فردي، أو تحويل قميص الفريق إلى امتداد غير معلن لقميص الحزب.
فأمل تيزنيت ملك لجماهيره ولمدينته، وليس ملحقاً تنظيمياً بأي حزب، سواء كان الأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار أو الاستقلال أو غيرها من التنظيمات السياسية.
بين الحق في الترشح وواجب الفصل
لا جدال في أن فؤاد المودني يتمتع، مثل أي مواطن، بحقه الكامل في الانتماء السياسي والترشح للانتخابات واختيار الحزب الذي ينسجم مع قناعاته ومصالحه وتصوراته.
كما أن المسؤولية الرياضية لا تمنع صاحبها قانوناً من ممارسة العمل السياسي، ما دام يحترم القوانين المنظمة للانتخابات ولا يستعمل إمكانيات النادي أو موارده أو رموزه لأغراض انتخابية.
لكن حساسية وضعه الجديد تفرض عليه الفصل الواضح بين صفته رئيساً لأمل تيزنيت وصفته وكيلاً للائحة حزب الأصالة والمعاصرة. فألوان الفريق ومقراته وصفحاته الرسمية ولاعبوه وجماهيره ووسائل نقله ومحتضنوه لا ينبغي أن يتحولوا إلى أدوات للدعاية الانتخابية.
وسيصبح المودني، منذ لحظة إعلان تزكيته، تحت مراقبة سياسية وإعلامية أكبر. فكل نشاط للنادي، وكل مناسبة رياضية، وكل صورة مع اللاعبين أو الجماهير، قد تُقرأ من زاوية انتخابية، حتى إن كانت في أصلها مرتبطة بتدبير الفريق.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع حدود واضحة بين المشروع الرياضي والمشروع الحزبي، حماية للنادي من الاستقطاب، وحماية للمرشح نفسه من اتهامات استغلال الإنجاز الرياضي انتخابياً.
النجاح الرياضي لا يكفي لدخول البرلمان
يمكن لتجربة المودني داخل أمل تيزنيت أن تقدم مؤشرات عن قدرته على القيادة والتفاوض وجلب الموارد وتدبير الأزمات، لكنها لا تشكل وحدها برنامجاً انتخابياً متكاملاً.
فالبرلمان لا يقتصر دوره على جلب الدعم لفريق كرة القدم أو الدفاع عن المنشآت الرياضية، بل يشمل التشريع ومراقبة الحكومة ومناقشة الميزانية والسياسات العمومية والترافع عن مختلف قضايا المواطنين.
وسيتعين على وكيل لائحة «البام» أن يجيب عن أسئلة تتجاوز أمل تيزنيت وصعوده؛ من قبيل وضعية الصحة والتعليم والتشغيل والماء والطرق والاستثمار، والعزلة التي تعانيها جماعات قروية وجبلية، ومستقبل الاقتصاد المحلي، ودعم الصناعة التقليدية والسياحة وتأهيل البنيات الأساسية.
كما سيكون مطالباً بتوضيح مواقفه من حصيلة الأغلبية الحكومية التي يشكل حزب الأصالة والمعاصرة جزءاً منها، ومن السياسات التي أثرت في القدرة الشرائية والطبقة المتوسطة، فضلاً عن تقديم تصور واضح للدور الذي سيؤديه داخل مجلس النواب إذا حصل على ثقة الناخبين.
فالناخب لا ينتخب رئيس نادٍ رياضي، بل نائباً برلمانياً يفترض أن يمثل ساكنة إقليم كامل، بمختلف جماعاته وفئاته واحتياجاته.
تزكية تعيد ترتيب أوراق الدائرة
من شأن دخول فؤاد المودني السباق الانتخابي على رأس لائحة «البام» أن يعيد ترتيب الأوراق السياسية بإقليم تيزنيت، بالنظر إلى الشعبية التي حققها عقب صعود الفريق، وإلى شبكة العلاقات التي راكمها داخل الوسطين الرياضي والاقتصادي.
كما أن اختياره ينهي مرحلة من تداول أسماء متعددة لقيادة لائحة الحزب، بعدما شهدت الساحة المحلية خلال الفترة الماضية انتشار أخبار متضاربة بشأن مرشح الأصالة والمعاصرة بالدائرة.
وكان مصدر من داخل الحزب قد صرح، قبل حسم التزكية، بأن «البام» لم يكن قد اتخذ قراره النهائي بشأن وكيل لائحته في تيزنيت، وسط تداول أسماء مختلفة ومشاورات داخلية متواصلة. .
أما اليوم، فقد اختار الحزب وضع ثقته في رئيس أمل تيزنيت، ليصبح المودني أحد أبرز المتنافسين في دائرة يُنتظر أن تعرف مواجهة قوية بين مرشحي الأحزاب الكبرى وشخصيات ذات امتداد انتخابي واجتماعي داخل الإقليم.
كرة القدم منحته البداية.. والسياسة ستفرض عليه الحساب
لقد منحت كرة القدم فؤاد المودني شهرة محلية واسعة، ووضعت اسمه في واجهة الأحداث، ثم جاء صعود أمل تيزنيت ليمنحه دفعة شعبية يصعب تجاهلها في الحسابات الانتخابية.
لكن دخول السياسة يعني نهاية مرحلة الإشادة الرياضية غير المشروطة وبداية مرحلة المساءلة والنقد والمحاسبة. فرئيس النادي الذي كان يُسأل عن الانتدابات والنتائج والميزانية سيصبح مطالباً بتقديم أجوبة عن الاختيارات الحكومية والتشريعات والسياسات الاجتماعية والاقتصادية ومستقبل إقليم تيزنيت.
ومنذ لحظة قبول التزكية، لم يعد المودني شخصية رياضية تقف على مسافة واحدة من الجميع، بل أصبح فاعلاً حزبياً اختار موقعه داخل الخريطة السياسية، وعليه أن يتحمل ما يترتب عن هذا الاختيار من نقد ومساءلة ومواقف مضادة.
لقد قادت كرة القدم فؤاد المودني إلى رأس لائحة حزب الأصالة والمعاصرة، لكن الوصول إلى البرلمان لن تحسمه دموع الصعود ولا صور الاحتفال ولا هتافات المدرجات وحدها. الذي سيحسمه هو اقتناع الناخبين ببرنامجه، ومواقفه، وكفاءته، وقدرته على الانتقال من تدبير فريق لكرة القدم إلى تمثيل إقليم كامل.
أمل تيزنيت حقق صعوده إلى القسم الأول، أما فؤاد المودني فقد دخل الآن مباراة مختلفة تماماً؛ مباراة سياسية مفتوحة على النقد والمحاسبة، وحكمها النهائي ليس صافرة حكم داخل الملعب، بل أصوات المواطنين داخل صناديق الاقتراع.
تيزنيت/ عبدالله بن عيسى




