دخلت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة مرحلة دقيقة، بعد تصريحات جديدة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تحدث فيها عن اقتراب غير مسبوق من إنجاز مذكرة تفاهم، وسط حديث متزايد عن احتمال توقيعها في جنيف، دون أن يصدر حتى الآن تأكيد رسمي نهائي بشأن الموعد أو المكان.
وقال عراقجي إن ما بات يعرف بـ”مذكرة تفاهم إسلام آباد” لم يكن في أي وقت أقرب إلى الاكتمال مما هو عليه الآن، في إشارة إلى تقدم المسار الدبلوماسي الذي ترعاه أطراف إقليمية ودولية، لكنه شدد في المقابل على ضرورة تجنب التكهنات الإعلامية بشأن مضمون الاتفاق قبل استكماله.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتحدث فيه مصادر غربية وإقليمية عن صيغة مرحلية تهدف إلى خفض التصعيد، وفتح الباب أمام مفاوضات أوسع لاحقا، خصوصا في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية.
اتفاق مرحلي قبل الملف النووي
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن التلفزيون الإيراني، فإن عراقجي أكد أن المحادثات النووية مع الولايات المتحدة لن تبدأ في هذه المرحلة، بل ستأتي لاحقا، وبعد تنفيذ الاتفاق المرحلي المقترح.
وتشمل هذه المرحلة، وفق المعطيات المتداولة، إعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء النزاعات على أكثر من جبهة، بما فيها لبنان، على أن يتم الانتقال بعد ذلك إلى مفاوضات أكثر تفصيلا حول القضايا النووية والعقوبات والضمانات.
ويعني ذلك أن مذكرة التفاهم، في حال توقيعها، لن تكون اتفاقا نهائيا شاملا، بل إطارا أوليا لوقف التصعيد وترتيب مفاوضات لاحقة تمتد على مدى محدد، مع ربط المكاسب الاقتصادية والسياسية بمدى تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
هرمز في قلب التفاهم
ويبرز مضيق هرمز كأحد أهم بنود التفاهم المقترح، بالنظر إلى أهميته الاستراتيجية في حركة الطاقة العالمية. فقد نقلت رويترز عن مصادر على صلة بالمسار التفاوضي أن المذكرة تتضمن إعادة فتح المضيق، مقابل خطوات أمريكية مرتبطة بتخفيف الضغوط على إيران.
غير أن عراقجي أوضح أن إدارة المضيق لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، مؤكدا أن السيادة على المضيق تعود لإيران وسلطنة عمان، وأن طهران ستضمن العبور الآمن للسفن، وفق تصور لا يعني تخليها عن نفوذها في هذا الممر الحيوي.
جنيف.. مكان محتمل لا قرار نهائي
وفي ما يخص الحديث عن التوقيع في جنيف، أفادت تقارير غربية بأن سويسرا عرضت استضافة مراسم توقيع محتملة، إذا وافق الطرفان على ذلك. كما جرى تداول اسم جنيف باعتبارها المكان الأرجح لهذا المسار، خاصة بالنظر إلى دورها التقليدي في احتضان المفاوضات والاتفاقات الدولية.
لكن الجانب الإيراني لم يؤكد بعد لا الموعد ولا المكان. فقد نقلت تقارير صحفية عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أنه لا يمكن التعليق على تفاصيل التوقيع قبل حسم القرار داخل إيران.
وهذا يعني أن الحديث عن توقيع وشيك في جنيف لا يزال في دائرة الاحتمال السياسي، وليس واقعة مؤكدة بشكل رسمي.
روايات متباينة حول مضمون الاتفاق
وتكشف التسريبات المتداولة عن تباين واضح في قراءة بنود التفاهم. فالرواية الإيرانية تتحدث عن ضمانات، ورفع للعقوبات، وبحث آليات التعويض عن أضرار الحرب، مع التمسك بحق طهران في التخصيب وبقاء المواد المخصبة داخل الأراضي الإيرانية.
في المقابل، تقدم واشنطن الاتفاق باعتباره مسارا مشروطا بالأداء، أي أن إيران لن تحصل على مكاسب اقتصادية كاملة إلا بعد تنفيذ التزامات محددة، خاصة ما يرتبط بالملف النووي وفتح مضيق هرمز وضمانات خفض التصعيد.
هذا الاختلاف في تقديم الاتفاق يعكس حساسية المرحلة، ويؤكد أن النص النهائي، إن تم توقيعه، سيحتاج إلى قراءة دقيقة لمعرفة ما إذا كان يمثل تسوية حقيقية أم مجرد هدنة سياسية مؤقتة.
اتفاق قريب لكنه غير محسوم
حتى الآن، يمكن القول إن مسار التفاهم بين واشنطن وطهران تقدم بشكل واضح، لكنه لم يصل بعد إلى محطة الإعلان النهائي. فتصريحات عراقجي تؤكد القرب من إنجاز المذكرة، لكنها في الوقت نفسه تترك الباب مفتوحا أمام تعديلات محتملة.
وبين حديث عن جنيف، وتسريبات حول بنود الاتفاق، ونفي إيراني لبعض التفاصيل، تبقى الحقيقة المؤكدة أن المنطقة تقف أمام لحظة دبلوماسية حساسة، قد تفتح الباب أمام خفض التصعيد، أو تعيد المفاوضات إلى دائرة التعثر إذا لم تُحسم النقاط الخلافية في الساعات أو الأيام المقبلة.

