في وقت تتحول فيه استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى سباق عالمي مكلف، وجدت سوفت بنك نفسها أمام اختبار جديد لقدرة الأسواق على تمويل رهاناتها الكبرى. فالمجموعة اليابانية، التي اندفعت بقوة نحو OpenAI ومشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، خفّضت وفق تقرير حديث هدف قرض كانت تسعى للحصول عليه بضمان حصتها في الشركة المطورة لـChatGPT. الخطوة لا تعني بالضرورة تراجعاً عن الرهان على الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف أن تمويل هذا الرهان بات يمر عبر حسابات أكثر حذراً لدى الدائنين والمستثمرين.
سوفت بنك تخفض سقف قرض مرتبط بحصتها في OpenAI
ذكرت Reuters نقلاً عن Bloomberg News أن مجموعة SoftBank خفضت خططها لقرض هامشي مدعوم بحصتها في OpenAI من 10 مليارات دولار إلى ما قد يصل إلى 6 مليارات دولار فقط، بعد تردد من بعض الدائنين بشأن الصفقة. وبحسب التقرير، فإن المحادثات ما تزال جارية، وقد تتغير التفاصيل النهائية أو حجم التمويل قبل أي اتفاق نهائي.
القرض الهامشي هو تمويل تحصل عليه الشركة بضمان أصول أو حصص تملكها، وفي هذه الحالة ترتبط الصفقة بحصة سوفت بنك في OpenAI، وهي شركة خاصة غير مدرجة في البورصة. وهذا يجعل تقييم الحصة وضماناتها أكثر حساسية مقارنة بأسهم الشركات المدرجة التي يسهل تسعيرها يومياً في الأسواق.
لماذا تحفظ بعض الدائنين؟
أبرز نقطة في الخبر هي أن تردد الدائنين لا يتعلق فقط بحجم القرض، بل أيضاً بطبيعة الأصل المستخدم كضمان. فـOpenAI تُعد من أكثر الشركات تأثيراً في موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكنها ما تزال شركة خاصة، ما يجعل تقييمها أقل شفافية من الشركات المتداولة علناً. لذلك، قد يطلب الدائنون شروطاً أكثر تحفظاً أو حجماً أقل للتمويل لتقليل المخاطر.
هذا النوع من التحفظات يعكس سؤالاً أوسع في السوق: هل يمكن للقيمة المتوقعة من طفرة الذكاء الاصطناعي أن تتحول بسرعة إلى أصول مالية قابلة للتمويل بضمانات كبيرة؟ بالنسبة إلى سوفت بنك، الجواب ما يزال قيد التفاوض.
رهان كبير على OpenAI ومشروع Stargate
يأتي هذا التطور ضمن علاقة مالية واستراتيجية متنامية بين سوفت بنك وOpenAI. فقد بدأت المجموعة اليابانية الاستثمار في الشركة منذ شتنبر 2024، ثم دخلت معها في يناير 2025 ضمن مشروع Stargate، وهو مشروع ضخم للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، تشارك فيه أيضاً Oracle وأطراف أخرى.
وفي مارس 2026، أعلنت سوفت بنك أنها أبرمت اتفاقية قرض جسري بقيمة 40 مليار دولار لدعم استثماراتها في OpenAI واحتياجات عامة للشركة. كما سبق أن أعلنت التزاماً باستثمار 30 مليار دولار إضافية عبر Vision Fund 2، ما يؤكد أن المجموعة لا تتعامل مع OpenAI كاستثمار عابر، بل كركيزة في استراتيجيتها الجديدة حول الذكاء الاصطناعي.
هل تعني الخطوة ضعف الثقة في OpenAI؟
لا يمكن الجزم بذلك. فالتقرير يتحدث عن تقليص هدف قرض محدد، وليس عن إلغاء الاستثمار أو انسحاب سوفت بنك من شراكتها مع OpenAI. لكن من الناحية المالية، تكشف الخطوة أن الدائنين قد يصبحون أكثر حذراً عندما يتعلق الأمر بضمانات مرتبطة بشركات خاصة ذات تقييمات ضخمة، حتى لو كانت هذه الشركات في قلب طفرة الذكاء الاصطناعي.
كما أن تقليص القرض من 10 إلى 6 مليارات دولار، إذا تأكد نهائياً، سيعني أن سوفت بنك قد تحتاج إلى مزيج مختلف من التمويل، أو إلى شروط إضافية، لمواصلة تنفيذ خططها الاستثمارية بالوتيرة نفسها.
سياق أوسع: الحماس للذكاء الاصطناعي يصطدم بحسابات التمويل
شهدت الأشهر الأخيرة موجة استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، الرقائق، والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. غير أن تمويل هذه المشاريع لا يعتمد فقط على الحماس التقني، بل على قدرة الشركات على إقناع البنوك والدائنين بأن العوائد المستقبلية تبرر المخاطر الحالية.
وبالنسبة إلى سوفت بنك، التي عُرفت تاريخياً برهانات كبيرة في التكنولوجيا، فإن ملف OpenAI يضعها مرة أخرى أمام معادلة دقيقة: كيف تمول سباق الذكاء الاصطناعي دون رفع المخاطر المالية إلى مستويات تثير قلق الأسواق؟
تقليص هدف القرض المرتبط بحصة سوفت بنك في OpenAI لا يغيّر الصورة الكبرى لرهان المجموعة اليابانية على الذكاء الاصطناعي، لكنه يضيف مؤشراً مهماً على أن مرحلة التمويل السهل قد لا تكون مضمونة حتى لأكبر الأسماء في القطاع. فالذكاء الاصطناعي يواصل جذب مليارات الدولارات، لكن الدائنين يريدون ضمانات أوضح عندما تتحول التقييمات الخاصة إلى أدوات للاقتراض.