أعلن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، اليوم الثلاثاء 28 يوليوز 2026، تعيين زين الدين زيدان مدرباً جديداً للمنتخب الفرنسي الأول، خلفاً لديدييه ديشان، منهياً بذلك سنوات من الانتظار والتكهنات بشأن تولي أسطورة “الديوك” المهمة الفنية الأكثر ترقباً في مسيرته التدريبية.
ويعود زيدان، البالغ من العمر 54 سنة، إلى مقاعد التدريب بعد غياب دام خمس سنوات، منذ انتهاء تجربته الثانية مع ريال مدريد الإسباني سنة 2021، ليتولى قيادة منتخب بلاده بعقد يمتد، بحسب ما أعلن خلال التقديم الرسمي، إلى غاية سنة 2030نهاية عهد ديشان
جاء تعيين زيدان عقب انتهاء المسيرة الطويلة لديدييه ديشان على رأس الإدارة الفنية للمنتخب الفرنسي، بعدما قاد “الديوك” منذ سنة 2012، في واحدة من أطول الفترات التدريبية في تاريخ المنتخبات الكبرى.
وكان ديشان قد أعلن مسبقاً أن كأس العالم 2026 ستكون محطته الأخيرة مع المنتخب، قبل أن ينهي مشواره عقب احتلال فرنسا المركز الرابع في المونديال، بعد خسارتها أمام إنجلترا بنتيجة 6 أهداف مقابل 4 في مباراة تحديد المركز الثالث. وأكد الاتحاد الفرنسي أن تلك المواجهة كانت آخر مباراة لديشان على رأس الطاقم التقني.
وخلال 14 عاماً، قاد ديشان فرنسا إلى التتويج بكأس العالم 2018، وبلوغ نهائي مونديال قطر 2022، ونهائي كأس أمم أوروبا 2016، إلى جانب الفوز بدوري الأمم الأوروبية سنة 2021.
وبخروجه، تُطوى صفحة اتسمت بالاستقرار والنجاحات، وتبدأ مرحلة مختلفة يقودها رجل يحمل بدوره مكانة استثنائية في تاريخ الكرة الفرنسية.
حلم طال انتظاره
لم يكن تدريب المنتخب الفرنسي خياراً مفاجئاً بالنسبة إلى زيدان، فقد تحدث في مناسبات سابقة عن رغبته في قيادة منتخب بلاده، كما رفض خلال سنوات ابتعاده عن التدريب عدداً من العروض، وسط اعتقاد واسع بأنه كان ينتظر نهاية حقبة ديشان.
وكان زيدان المرشح الأبرز لخلافة ديشان، بالنظر إلى تاريخه لاعباً ومدرباً وشعبيته الكبيرة لدى الجمهور الفرنسي، فضلاً عن معرفته بطبيعة المنتخب وضغوط المنافسات الدولية.
وبعد أشهر من التكهنات، حسم الاتحاد الفرنسي قراره، ليضع ثقته في أحد أبرز الرموز التي صنعت أمجاد المنتخب داخل المستطيل الأخضر.
من بطل قومي إلى مدرب للمنتخب
يرتبط اسم زين الدين زيدان بأهم لحظات كرة القدم الفرنسية، خصوصاً تتويج فرنسا بكأس العالم سنة 1998، عندما سجل هدفين بالرأس في المباراة النهائية أمام البرازيل، التي انتهت بفوز “الديوك” بثلاثة أهداف دون مقابل.
كما ساهم في قيادة المنتخب إلى إحراز كأس أمم أوروبا سنة 2000، قبل أن يقوده إلى نهائي مونديال ألمانيا 2006 في آخر ظهور له لاعباً.
وخاض زيدان 108 مباريات دولية بقميص المنتخب الفرنسي، سجل خلالها 31 هدفاً، بحسب إحصاءات الاتحاد الفرنسي. كما توج بالكرة الذهبية سنة 1998، ليصبح واحداً من أبرز لاعبي جيله وأكثرهم تأثيراً في تاريخ كرة القدم.
واليوم، يعود “زيزو” إلى المنتخب من بوابة التدريب، بعد عشرين سنة من مباراته الدولية الأخيرة أمام إيطاليا في نهائي كأس العالم 2006.
مسيرة تدريبية استثنائية مع ريال مدريد
يدخل زيدان تجربته الجديدة بسجل تدريبي لافت حققه مع ريال مدريد، رغم أن مسيرته على مستوى تدريب الأندية اقتصرت على النادي الإسباني.
وقاد ريال مدريد إلى التتويج بدوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية في سنوات 2016 و2017 و2018، وهو إنجاز غير مسبوق بصيغة المسابقة الحديثة.
كما أحرز مع النادي بطولتين للدوري الإسباني، إلى جانب عدد من الألقاب المحلية والقارية والدولية، مثبتاً قدرته على إدارة غرفة ملابس تضم نجوماً كباراً والتعامل مع ضغوط المباريات الحاسمة.
لكن تدريب المنتخبات يختلف عن العمل اليومي داخل الأندية؛ إذ سيكون زيدان مطالباً ببناء أفكاره خلال فترات تجمع قصيرة، واتخاذ قرارات دقيقة بشأن الاختيارات البشرية، وتكوين فريق قادر على المنافسة دون الاستفادة من الوقت الطويل المتاح لمدربي الأندية.
مبابي ونجوم الجيل الجديد
يتسلم زيدان منتخباً يضم عدداً كبيراً من اللاعبين الموهوبين، يتقدمهم القائد كيليان مبابي، إلى جانب مايكل أوليس وبرادلي باركولا وديزيريه دوي وغيرهم من الأسماء الصاعدة.
وستتجه الأنظار بشكل خاص إلى طبيعة العلاقة الفنية بين زيدان ومبابي، الذي سبق له العمل تحت قيادة ديدييه ديشان لسنوات، وأصبح اللاعب الأكثر تأثيراً في التشكيلة الفرنسية.
ويواجه المدرب الجديد تحدي تحقيق التوازن بين أصحاب الخبرة والجيل الجديد، وإعادة بناء هوية تكتيكية واضحة للمنتخب بعد حقبة طويلة حافظ خلالها ديشان على نهج يقوم أساساً على الصلابة والواقعية واستثمار السرعة الهجومية.
ومن المنتظر أن يمنح زيدان أهمية أكبر للتحكم في الكرة وجودة البناء والمرونة الهجومية، استناداً إلى تجربته السابقة مع ريال مدريد، لكن الحكم على أسلوبه مع فرنسا سيبقى مرتبطاً بما سيقدمه فعلياً خلال المباريات الأولى.
أول امتحان أمام تركيا
سيبدأ زيدان مهامه التنافسية مع المنتخب الفرنسي خلال شهر شتنبر المقبل، ضمن مباريات دوري الأمم الأوروبية لموسم 2026-2027.
وسيخوض أول مباراة رسمية له يوم 25 شتنبر خارج الميدان أمام تركيا، قبل مواجهة بلجيكا في بروكسيل يوم 28 من الشهر نفسه.
بعد ذلك، يستقبل المنتخب الفرنسي إيطاليا يوم 2 أكتوبر، ثم بلجيكا يوم 5 أكتوبر، ضمن مجموعة قوية تضم فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وتركيا.
وستشكل هذه المباريات الأربعة المتتالية اختباراً مبكراً لقدرة زيدان على فرض أفكاره وتحديد نواة المنتخب الذي سيعتمد عليه خلال المرحلة المقبلة.
هدفان كبيران في الأفق
تتمثل المهمة الرئيسية لزيدان في إعداد منتخب فرنسي قادر على المنافسة على لقب كأس أمم أوروبا 2028، ثم كأس العالم 2030 التي ستنظمها بشكل مشترك كل من المغرب وإسبانيا والبرتغال، مع إقامة مباريات رمزية في الأوروغواي والأرجنتين وباراغواي.
ويمنح امتداد عقده إلى غاية 2030 المدرب الفرنسي وقتاً لبناء مشروع كامل، بدلاً من الاكتفاء بإدارة مرحلة انتقالية قصيرة.
لكن حجم التوقعات سيكون مرتفعاً منذ البداية، لأن زيدان لا يصل إلى المنصب باعتباره مدرباً عادياً، بل بوصفه أسطورة كروية ينتظر منها الفرنسيون إعادة المنتخب إلى منصة التتويج.
مرحلة جديدة للكرة الفرنسية
يمثل تعيين زين الدين زيدان لحظة رمزية في تاريخ الكرة الفرنسية؛ فالرجل الذي منح فرنسا أول ألقابها العالمية لاعباً، يعود بعد عقود لقيادة المنتخب من مقاعد البدلاء.
غير أن التاريخ الكبير والشعبية الواسعة لن يكونا كافيين لضمان النجاح. وسيكون زيدان مطالباً بتحويل مكانته الرمزية إلى مشروع فني، وإدارة مجموعة مليئة بالنجوم، وتجديد الدوافع بعد نهاية عهد ديشان.
لقد تحقق الحلم الذي انتظره زيدان والجمهور الفرنسي لسنوات، لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ في شتنبر: هل يستطيع “زيزو” أن يصنع مدرباً مع المنتخب ما صنعه سابقاً لاعباً بقميص فرنسا؟




