لم يكن صعود أمل تيزنيت إلى القسم الوطني الاحترافي الأول مجرد نتيجة رياضية خاصة، ولا فرحة تنتهي بانفضاض احتفالات الجمهور، بل كان حدثاً تاريخياً نقل اسم تيزنيت إلى واجهة كرة القدم المغربية، وفتح أمام الإقليم فرصة نادرة لتعزيز حضوره الإعلامي والاقتصادي والسياحي.
غير أن هذا الإنجاز كشف، في المقابل، مفارقة مؤلمة.. الفريق بلغ قسم الصفوة، بينما لم تكن البنية الرياضية المحلية مستعدة لاستقباله. وبدل أن تتحول مباريات البطولة الاحترافية إلى موعد جماهيري واقتصادي داخل المدينة، بات أمل تيزنيت مهدداً بخوض موسم الاغتراب بعيداً عن جمهوره وملعبه ومدينته.
الفريق حقق ما لم تتوقعه البنية الرياضية
كتب أمل تيزنيت صفحة غير مسبوقة في تاريخه بعدما انتزع بطاقة الصعود إلى القسم الأول عقب تعادله بهدف لمثله أمام أولمبيك الدشيرة، في إياب مباراة السد، مستفيداً من تعادله السلبي في لقاء الذهاب.
وتابع المغاربة لحظة الصعود عبر القناة الرياضية وعدد من المنابر الوطنية، كما حظي الإنجاز بتغطية إعلامية باللغة الإنجليزية، قدمت تيزنيت إلى جمهور أوسع باعتبارها مدينة دخل فريقها للمرة الأولى البطولة الاحترافية الأولى.
وهكذا، أدى الفريق وظيفة تتجاوز حدود كرة القدم.. حمل اسم المدينة والإقليم إلى الشاشات والعناوين، وقدم تيزنيت إلى الرأي العام الوطني من بوابة إنجاز رياضي استثنائي.
لكن أمل تيزنيت، وهو يحقق حلماً ظل سنوات طويلة يبدو بعيد المنال، وضع القائمين على تدبير الشأن الرياضي أمام أمر واقع لم يُستعد له كما ينبغي.. مدينة تمتلك فريقاً في قسم النخبة، لكنها لا تتوفر على ملعب جاهز يستجيب لمتطلبات المنافسة الاحترافية.
الصعود كشف غياب الاستباق
لا يمكن التعامل مع أزمة الملعب باعتبارها مفاجأة ظهرت في اليوم التالي للصعود، لأن مسار الفريق ونتائجه وطموحه كانت معروفة طوال الموسم. وكان احتمال خوض مباريات السد ثم الوصول إلى القسم الأول قائماً، ما كان يفرض الاشتغال مسبقاً على سيناريوهات التأهيل والاستقبال.
التدبير الرياضي الجيد لا ينتظر وقوع الإنجاز حتى يبدأ البحث عن الحلول، بل يقرأ المؤشرات ويستعد لكل الاحتمالات. وإذا كان اللاعبون والطاقم التقني والإدارة قد خططوا للصعود ونجحوا في تحقيقه، فقد كان يفترض في المؤسسات المنتخبة والجهات المسؤولة أن تواكب هذا الطموح بخطة موازية لتأهيل البنية التحتية.
أما الانتظار إلى أن يضع الفريق المدينة أمام حقيقة الصعود، ثم الدخول في سباق للبحث عن ملعب بديل، فيكشف أن المسؤولين كانوا يدبرون الواقع القائم، لا المستقبل المحتمل.
المحمدية تلوح كمنفى رياضي
تداولت مصادر إعلامية وصفحات رياضية معطيات تفيد بأن إدارة أمل تيزنيت تتجه إلى اختيار المحمدية مقراً مؤقتاً لإقامة الفريق وتدريباته ومبارياته خلال الموسم المقبل، إلى حين توفر ملعب مؤهل بجهة سوس ماسة.
وبحسب المعطيات المتداولة، سيتولى عدد من الفعاليات الاقتصادية السوسية، خاصة المنتمية إلى إقليم تيزنيت، مساندة الفريق لتدبير الإقامة والتنقل والاحتياجات المرتبطة بهذا الوضع الاستثنائي.
لكن، حتى تاريخ إعداد هذا المقال، لم يصدر عن إدارة أمل تيزنيت أو العصبة الوطنية لكرة القدم الاحترافية إعلان رسمي نهائي يؤكد اعتماد المحمدية ملعباً دائماً لاستقبال مباريات الفريق. لذلك، ينبغي التعامل مع هذا الخيار باعتباره توجهاً متداولاً بقوة، وليس قراراً رسمياً محسوماً.
ومع ذلك، فإن مجرد اضطرار النادي إلى البحث عن مقر يبعد مئات الكيلومترات عن تيزنيت يكشف حجم الخلل. فالانتقال إلى المحمدية قد يوفر حلاً تقنياً لمشاركة الفريق، لكنه لا يعالج الخسارة التي ستتحملها المدينة وجمهورها.
المدينة قد تُحرم من نحو 15 عرساً كروياً
وجود فريق في البطولة الاحترافية الأولى يعني استقبال كبار الأندية الوطنية ونجوم الكرة المغربية والجماهير المرافقة لها. كما يعني حضور القنوات التلفزية والصحفيين والمصورين، وتكرار ظهور اسم المدينة في البرامج الرياضية والنشرات والمنصات الرقمية.
وعلى امتداد موسم يضم 16 فريقاً، يفترض أن يخوض أمل تيزنيت نحو 15 مباراة داخل ميدانه في البطولة، أي بمعدل يقترب من مباراتين شهرياً خلال أجزاء مهمة من الموسم.
كل مباراة من هذه المباريات كان يمكن أن تتحول إلى عرس أسبوعي داخل تيزنيت، وإلى فرصة لتنشيط الفنادق والمقاهي والمطاعم ومحطات الوقود وسيارات الأجرة والمحلات التجارية، فضلاً عن تسويق المنتوجات المحلية والتعريف بالمؤهلات السياحية والثقافية للإقليم.
ولا يمكن الجزم مسبقاً بحجم المداخيل التي كانت ستستفيد منها المدينة من دون دراسة اقتصادية ميدانية، لكن منطق اقتصاد المباريات واضح.. الجمهور الزائر ينفق على النقل والإقامة والطعام والخدمات، والنقل التلفزي ينقل صورة المدينة إلى جمهور لا تستطيع الحملات الإشهارية التقليدية الوصول إليه بالكلفة نفسها.
إذا استقبل أمل تيزنيت مبارياته في المحمدية، فإن الجزء الأكبر من هذه الحركة الاقتصادية والإعلامية سينتقل معها. وسيظل اسم تيزنيت حاضراً في لوحة النتيجة، بينما تستفيد مدينة أخرى من الجمهور والمباريات والحضور الإعلامي.
الجمهور أول المتضررين
لا يقتصر الضرر على الاقتصاد المحلي، لأن جمهور أمل تيزنيت سيكون أول من يدفع ثمن غياب الملعب المؤهل.
فالمشجع الذي كان ينتظر رؤية الرجاء والوداد والجيش الملكي ونهضة بركان وحسنية أكادير وبقية أندية الصفوة داخل مدينته، قد يجد نفسه أمام خيارين صعبين.. السفر مسافة طويلة إلى المحمدية، بما يرافق ذلك من مصاريف ومشقة ومخاطر، أو الاكتفاء بمتابعة فريقه عبر الشاشة.
ويفقد الفريق بدوره واحداً من أهم عناصر قوته، وهو الجمهور المحلي. فاللعب خارج تيزنيت طوال الموسم لا يعني فقط تغيير الملعب، بل يعني فقدان الأجواء والهوية والانتماء والضغط الجماهيري الذي يصنع أفضلية الاستقبال.
كما يطرح البعد بين تيزنيت والمحمدية عبئاً مالياً وتنظيمياً إضافياً على النادي، سواء تعلق الأمر بإقامة اللاعبين والطاقم، أو التداريب أو التنقلات أو نقل المعدات، وهي تكاليف كان يمكن توجيهها إلى الانتدابات والتكوين وتحسين الجوانب التقنية.
انتظار ملعبي تيكوين والدشيرة
ترتبط العودة المحتملة إلى جهة سوس ماسة بانتهاء الأشغال في منشأتين رياضيتين.. ملعب الحسين مضانيب بتيكوين وملعب أحمد فانا بالدشيرة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى احتمال انتهاء أشغال ملعب الحسين مضانيب قبل ملعب أحمد فانا، وسط حديث عن تعثرات مرتبطة بتحويل بعض الاعتمادات الخاصة بالأخير.
وحتى إذا عاد أمل تيزنيت إلى أحد ملعبي تيكوين أو الدشيرة، فإن ذلك سيخفف مسافة الاغتراب فقط، لكنه لن يحل أصل المشكلة. فالفريق سيعود إلى جهة سوس ماسة، لا إلى مدينته وجمهوره وملعبه.
كما أن استعانة أمل تيزنيت بملعب داخل أكادير أو الدشيرة ستزيد الضغط على منشآت تستقبل أو يُنتظر أن تستقبل أندية أخرى، ما يكشف أن أزمة الملاعب لا تخص تيزنيت وحدها، بل تعكس ضعف التخطيط الرياضي على مستوى الجهة.
ملعب المسيرة… مشروع مؤجل حتى جاء الصعود
فتح الإنجاز التاريخي من جديد ملف تأهيل ملعب المسيرة بتيزنيت أو تشييد ملعب جديد يستجيب لمعايير البطولة الاحترافية.
وكانت معطيات سابقة قد تحدثت عن مشروع لتأهيل ملعب المسيرة بكلفة تقارب 36 مليون درهم ورفع طاقته الاستيعابية إلى نحو ثمانية آلاف مقعد، غير أن المشروع لم يتحول في الوقت المناسب إلى منشأة جاهزة لاحتضان مباريات قسم النخبة.
وتداولت مصادر أن عامل إقليم تيزنيت تعهد بالإشراف شخصياً على ملف تأهيل الملعب بعد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية.
وإذا ثبت فعلاً ربط الانطلاق في الملف بانتهاء الانتخابات، فإن ذلك يفتح سؤالاً مشروعاً: لماذا ينبغي لمنشأة رياضية تمس مستقبل فريق ومدينة كاملة أن تنتظر الزمن الانتخابي؟ فالبنية التحتية ليست وعداً ظرفياً، ولا ينبغي أن تتحول إلى ورقة مرتبطة بمواعيد الاقتراع.
المسؤولية لا تقع على جهة واحدة
سيكون من السهل اختزال المشكلة في اتهام مؤسسة واحدة، لكن واقع البنية الرياضية يجعل المسؤولية مشتركة بين الجماعة الترابية والمجلس الإقليمي والجهة والوزارة الوصية والجامعة والعصبة والسلطات المحلية.
كان يفترض أن توجد خريطة طريق واضحة تحدد الوعاء العقاري والتمويل والدراسات التقنية وصاحب المشروع والجدول الزمني، مع إعداد حل انتقالي داخل أقرب نطاق جغرافي ممكن.
أما الاكتفاء بالتهاني والصور والاستقبالات بعد الصعود فلا يعوض غياب ملعب. الاحتفال بالإنجاز حق، لكن تثمينه الحقيقي يبدأ بتحويله إلى مشروع رياضي وتنموي مستدام.
وقد أظهر عامل الإقليم عبد الرحمان الجوهري دعماً معنوياً للفريق من خلال زيارته قبل مباريات السد، وهي خطوة وثقتها منابر محلية، لكن المرحلة الحالية تحتاج إلى انتقال سريع من المساندة الرمزية إلى تنسيق مؤسساتي ينتج قرارات وتمويلاً وآجالاً معلنة.
الفعاليات الاقتصادية تنقذ الموقف… ولكن إلى متى؟
المساندة التي يقدمها رجال الأعمال والفعاليات الاقتصادية المنتمية إلى الإقليم تستحق التقدير، لأنها تساعد الفريق على مواجهة تكاليف الانتقال إلى مستوى احترافي أعلى.
لكن الدعم الخاص، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الاستثمار العمومي في البنية الرياضية. فرجال الأعمال يمكنهم دعم الإقامة والتنقل والانتدابات، لكن بناء ملعب وتأهيله وتأمينه وإدارته وفق المعايير الاحترافية مسؤولية مؤسساتية.
كما أن الاعتماد المفرط على مساهمات الأفراد يجعل استقرار النادي مرتبطاً باستمرار رغبة الداعمين وقدرتهم المالية، بينما يحتاج فريق بالقسم الأول إلى نموذج اقتصادي واضح يجمع بين الدعم العمومي والاستشهار والتسويق وحقوق النقل والتذاكر والتكوين.
الفريق سبق المدينة إلى الاحتراف
الخلاصة القاسية أن أمل تيزنيت سبق محيطه إلى الاحتراف. اللاعبون والطاقم والإدارة والجمهور حققوا ما بدا مستحيلاً، بينما بقيت البنية الرياضية عالقة في مستوى لا يساير الحلم.
الصعود التاريخي كان يفترض أن يمنح تيزنيت موسماً من الفرح والحضور الإعلامي والانتعاش الاقتصادي، لكنه قد يتحول إلى موسم تشاهد فيه المدينة فريقها عبر التلفزيون وهو يحمل اسمها ويلعب بعيداً عنها.
ولا ينبغي أن يُفهم النقد على أنه تبخيس للإنجاز أو تحميل النادي مسؤولية لا يتحملها. على العكس، لقد أدى أمل تيزنيت دوره كاملاً.. نافس، قاوم، انتصر وصعد. أما الآن، فقد انتقلت الكرة إلى ملعب المؤسسات.
المطلوب ليس وعداً جديداً ولا صورة أخرى، بل برنامج واضح ومعلن.. ما مصير ملعب المسيرة؟ من سيمول تأهيله؟ متى تنطلق الأشغال؟ ما مدة الإنجاز؟ وأين سيستقبل الفريق مبارياته إلى حين عودته؟
لقد منح أمل تيزنيت المدينة والإقليم فرصة تاريخية نادرة. وإذا ضاعت منافع هذه الفرصة خارج تيزنيت، فلن يكون السبب فشل الفريق، بل فشل التخطيط في توقع نجاحه.
تيزنيت/عبدالله بن عيسى




