رسالة من سيول إلى العالم: الشراكة مع إفريقيا تمر عبر الدول لا الكيانات الانفصالية
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
لم يكن استبعاد ممثلي جبهة البوليساريو من أشغال الاجتماع الوزاري للشراكة بين كوريا الجنوبية والاتحاد الإفريقي مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل حمل في طياته رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة مفادها أن الشراكات الدولية الجادة تبنى مع الدول والمؤسسات الشرعية، لا مع الكيانات التي تفتقر إلى مقومات الدولة والسيادة.
ولعل القراءة الأعمق لهذا القرار تقود إلى استنتاج مفاده أن المعني الحقيقي بهذه الرسالة ليس جبهة البوليساريو في حد ذاتها بقدر ما هو الأطراف التي ما تزال تراهن على توظيف هذا الملف لخدمة أجندات إقليمية تجاوزها الزمن. فالجبهة، في نظر العديد من المراقبين، لا تمتلك مقومات الدولة ولا تمارس سيادة فعلية على أرض معترف بها دولياً، بينما يستمر حضورها السياسي والدبلوماسي بالارتباط أساساً بالدعم الذي تتلقاه من الجزائر.
ويأتي الموقف الكوري الجنوبي ليعكس توجهاً دولياً متنامياً يركز على الواقعية السياسية والاقتصادية بدل الانخراط في نزاعات إقليمية تعرقل فرص التعاون والتنمية. فسيول، التي تسعى إلى توسيع شراكاتها مع القارة الإفريقية في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والتنمية المستدامة، اختارت أن تتعامل مع الدول والمؤسسات الرسمية باعتبارها الشريك الطبيعي في أي مشروع تنموي أو استراتيجي.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن الإصرار على الدفع بالبوليساريو إلى واجهات دبلوماسية دولية لم يعد يحقق النتائج التي كان يراهن عليها داعموها في السابق، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها مواقف عدد متزايد من الدول تجاه قضية الصحراء، وتنامي القناعة بضرورة دعم الحلول الواقعية والقابلة للتطبيق تحت رعاية الأمم المتحدة.
كما أن هذا التطور يضع النظام الجزائري أمام تحديات متزايدة، ليس فقط على مستوى السياسة الخارجية، بل أيضاً على الصعيد الداخلي، حيث تتعالى الأصوات المطالبة بإعطاء الأولوية للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تهم المواطن الجزائري. فبعد عقود من الاستثمار السياسي والمالي في هذا الملف، تبدو المكاسب المحققة أقل بكثير من حجم الموارد والجهود التي تم توظيفها فيه.
إن ما حدث في سيول ليس مجرد استبعاد لوفد من حضور اجتماع دولي، بل هو مؤشر إضافي على تحولات أعمق تشهدها الدبلوماسية الدولية، حيث أصبح معيار الشراكة يقوم على الشرعية والفعالية والمصالح المشتركة، لا على الشعارات الإيديولوجية أو الحسابات السياسية الضيقة.
وبهذا المعنى، فإن الرسالة التي بعثت بها كوريا الجنوبية من عاصمتها إلى إفريقيا والعالم تبدو واضحة: المستقبل تصنعه الدول القادرة على بناء التعاون والتنمية، أما الكيانات الانفصالية والصراعات المفتوحة فقد باتت تجد نفسها خارج أولويات النظام الدولي الجديد.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله