لقد تابعت كمواطن مغربي تفاصيل المشهد الرياضي في الجارة الجزائر بمرارة وأسف شديدين… لم يكن من النتيجة الكروية بل كان من حجم الانكسار النفسي والصدمة المروعة التي هوت على مشاعر الجماهير الجزائرية ومناصري “الخضر” عقب مغادرة السباق المونديالي
انكسار لم تصنعه مجريات المقابلة بقدر ما صنعته آلة بروباغندا ضخمة وممنهجة أتقنت بيع الوهم وسوّقت له بشكل فضيع
إن ما يثير الذهول في المشهد الإعلامي الجزائري – سواء عبر القنوات الرسمية أو المنصات التلفزيونية الخاصة التي تدور في فلكها – ليس التحيز الرياضي الطبيعي بل هو ذلك الوهم المدروس الذي يُضخ في وعي المواطن يوميًا عبر خطة برامجية صارمة ومتواصلة تبدأ من العاشرة صباحًا ولا تتوقف إلا قبيل منتصف الليل.. حد ان وصل منسوب النفخ الإعلامي إلى مستويات سريالية تجاوزت المنطق والتحليل الرياضي العاقل مبشّرة الجماهير بملامح نهائي كأس العالم بين البرازيل والجزائر
هذه الاستراتيجية الإعلامية لا تشتغل في فراغ بل تقوم على معادلة ثنائية شديدة الخبث تقوم في محورها الأول على تضخيم مبالغ فيه لقدرات المنتخب الوطني وعزله عن سياقه التنافسي الطبيعي وتقوم في محورها الثاني على الشيطنة المستمرة والتبخيس الممنهج لإنجازات الآخرين وخاصة نحن في المغرب الجار الـمُستهدف دائمًا في سردياتهم لإشعال فتيل المقارنات الوهمية وتغذية الأحقاد السياسوية.
فهذا التجييش الممنهج غايته القصوى هي عزل الشعب الجزائري تمامًا عن محيطه الطبيعي والإقليمي عبر زرع عقيدة واهية تُسوق له ليل نهار بأن العدو الأول والمهدد الأوحد لوجوده هو نحن المغاربة.
إنها خطة مدروسة لإحكام القبضة والتحكم الكامل في المزاج العام للشارع الجزائري لا سيما في عهد الثنائي الحاكم “تبون-شنقريحة” الذي تعمد نقل الصراع الدبلوماسي والسياسي من ردهات المكاتب المغلقة إلى قاع المجتمع الجزائري بهدف إشعال فتيل مغلغل بالضغائن بين شعبين يجمعهما التاريخ والدم وأنا هنا لا أنكر بأن مخطط العسكر قد نجح بالفعل – وللأسف – في خلق فجوة من الفتنة بيننا حتى صار البعض فينا يفرح لهزيمتكم، وهو لعمري رد فعل عاطفي مؤقت استطاعت الأبواق جره إليه ولا يعبر عن عمق الوعي المغربي الأصيل بل يأتي نكاية وتحديًا لتلك الأبواق التي تنبح صباح مساء ولمدة سبع سنوات متواصلة وبدون انقطاع وفي جميع المجالات حيث لا يُذكر اسم بلدنا المغرب إلا بالسوء وفي أعلى المستويات الرسمية.
وبكل أمانة أخلاقية وصراحة جارحة، أقولها:
إن العقيدة العدائية لنظامكم هي رأس الأفعى في هذه الجغرافيا المغاربية بأكملها.
وبكل صدق أيضا وليس لكوني مغربيًا متحيزًا فإن ما تراه اليوم من تنمر أو ردود أفعال من جانبنا ليس سوى انعكاس حتمي بعد صبر مغربي طويل ومترفع صبرٌ قرأته العقليات الجامدة في نظامكم وأجهزته الموجهة على أنه ضعف واستسلام.. بل ورغم قسوة ردود الأفعال الشعبية أحيانا إلا أنها لم ولن تصل أبدًا إلى مستوى وقاحة بعض مسؤوليكم وأبواقهم الإعلامية وخاصة ذاك المعلق البائس الذي جعل من منبره الرياضي منصة لتصريف العقد السياسية والأحقاد الشخصية.
ولقد بلغت السخرية مداها حتى أصبحت هذه الفتنة صكًا تجاريًا رابحًا وسوقًا مفتوحة يقتات منها كل من لا شغل له وجماعة من الباحثين عن الشهرة الافتراضية على حساب مآسي الشعوب وأواصر الأخوة.
وفي مقابل هذا الاندفاع نحو الكراهية يبرز الموقف المغربي المتنزن فنحن في المملكة لا نحمل أية ضغينة أو عداء لأي شعب كان فكيف بجيراننا وأشقائنا الذين نتقاسم معهم الجغرافيا والوجدان؟
ولعل خير دليل على هذا النبل والترفع هو الصمت الرسمي المغربي الحكيم الملتزم بضبط النفس أمام كل الإساءات والتحرشات اللفظية والإعلامية التي يطلقها نظام العسكر.
إن الحقيقة الساطعة التي يجب أن تنجلي هي أن عدوكم الأول أيها الإخوة والأشقاء في الجزائر ليس وراء الحدود بل هي تلك القبعة العسكرية الجاثمة فوق صناعة القرار في بلادكم وهي أبواقها المأجورة الموظفة لتسويق تلك الأوهام وتصريف خطابات العداوة والشنآن عوض قيم المحبة والإخاء.
إن تضخيم الانتصارات الكروية الافتراضية وصناعة معارك وهمية مع الجيران هو وسيلة مثالية لإلهاء المواطن عن التساؤل عن ثروات الجزائر البترولية والغازية الهائلة وكيف لبلد يمتلك هذه الاحتياطات الضخمة من الطاقة أن تظل مكانته الاقتصادية ومستواه المعيشي والبنيوي في هذا الوضع الراكد بينما يصطف المواطن في طوابير طويلة للحصول على المواد الأساسية. لقد أريد للساحرة المستديرة في الجزائر أن تتحول من وسيلة ترفيه ومتعة إلى أداة لحجب الرؤية وتأجيل المطالب المشروعة.
ولذلك
فإن مرارة الإقصاء ليست مجرد خسارة مباراة بل هي صرخة لإيقاظ الضمائر فحرروا أنفسكم، أيها الأشقاء من غلالة الوهم كي تروا بوضوح أن بلادكم الكبيرة لا تستحق هذه العزلة وأن عجلات البروباغندا التي نُفخت طويلاً قد انفجرت لتعيد الجميع إلى أرض الواقع الحقيقي
واقع الأسئلة المؤجلة التي لا بد أن تُطرح يوما ما بجرأة وشجاعة.
ختامًا
تذكروا جيدًا أن مواجهة خصم خارجي افتراضي هي المعركة الأسهل التي يصنعها الاستبداد ليقتات عليها لكن التاريخ علمنا أن مواجهة العدو الداخلي الذي يسرق الأمل ويعطل العقول ويمتص ثروات الوطن من الداخل وهو يرتدي رداء الحامي للوطن
هي المعركة الأصعب والأعقد بكثير.. وهي المعركة الحقيقية التي تستحق أن يستفيق من أجلها الأشقاء لتستعيد الجزائر مكانتها الطبيعية التي تليق بشعبها… وبجيرانها على حد سواء.
يوسف غريب كاتب صحفي



