عاد ملف الدعم المالي المخصص لاستيراد المواشي إلى واجهة النقاش السياسي، لكن هذه المرة من زاوية أكثر حساسية: قرب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وتزايد الضغط الشعبي على الأغلبية الحكومية بسبب استمرار غلاء اللحوم، رغم الأموال العمومية التي رُصدت لتخفيف كلفة الاستيراد.
فالموضوع لم يعد مجرد سؤال تقني حول أرقام الدعم والمستفيدين منه. لقد تحول إلى ملف سياسي ثقيل، يلامس جيوب المواطنين، ويضع الحكومة وأغلبيتها أمام امتحان صعب: كيف يمكن الدفاع انتخابيا عن دعم عمومي كبير لم يشعر المواطن بأثره الواضح في السوق؟
وتزامنا مع هذا السياق، يجري الحديث عن مشاورات داخل مجلس النواب لإحياء مطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول دعم استيراد المواشي، في خطوة قد تتحول، إن نجحت، إلى واحدة من أبرز محطات الرقابة البرلمانية في نهاية الولاية.
غير أن المعطى المؤكد إلى الآن هو أن المبادرة لم تتحول بعد إلى قرار رسمي معلن. فلا يوجد إعلان نهائي من مجلس النواب، ولا بلاغ واضح من الفرق المعنية يؤكد اكتمال النصاب القانوني أو الاتفاق الجماعي على تشكيل اللجنة.
الانتخابات تغيّر الحسابات
في السياسة، لا تتحرك الملفات الكبيرة دائما فقط بقوة الوثائق، بل أيضا بقوة التوقيت.
وملف دعم استيراد المواشي يعود اليوم في لحظة دقيقة، حيث بدأت الأحزاب تستعد تدريجيا لمعركة انتخابية لن تكون سهلة، خصوصا في ظل تراكم ملفات اجتماعية ضاغطة: الأسعار، القدرة الشرائية، التشغيل، والدعم العمومي.
وهنا تكمن حساسية الملف. فالأحزاب المشكلة للأغلبية لا تواجه فقط أسئلة المعارضة داخل البرلمان، بل تواجه أيضا سؤالا مباشرا من المواطنين: لماذا بقيت أسعار اللحوم مرتفعة، رغم تدخل الدولة لدعم الاستيراد؟
هذا السؤال قد يصبح مكلفا انتخابيا إذا لم تقدم الحكومة ومعها أغلبيتها أجوبة واضحة ومقنعة.
دعم لم ينعكس كما كان منتظرا
قدمت الحكومة دعم استيراد المواشي باعتباره إجراء ظرفيا لتأمين التموين وتخفيف الضغط على الأسعار، خاصة في ظل تراجع القطيع الوطني وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد.
لكن المواطن العادي لا يقيس السياسات العمومية بالنوايا، بل بالنتيجة التي يلمسها في السوق.
وعندما يظل ثمن اللحوم مرتفعا، يصبح من الطبيعي أن يسأل الناس: من استفاد فعلا من الدعم؟ هل استفاد المستورد؟ هل استفاد الوسيط؟ هل استفاد المواطن؟ وهل كانت هناك مراقبة كافية لضمان وصول أثر الدعم إلى المستهلك النهائي؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح مطلب لجنة تقصي الحقائق قوته السياسية، لأنها تنقل الملف من دائرة التبرير الحكومي إلى دائرة الفحص المؤسساتي.
الأغلبية بين الدفاع والاحتواء
إذا صحت المعطيات المتداولة حول إمكانية انخراط مكونات من الأغلبية في مسار تشكيل لجنة تقصي الحقائق، فسيكون ذلك تطورا لافتا.
ليس بالضرورة لأنه يعني تمردا على الحكومة، بل لأنه قد يعكس محاولة سياسية لاحتواء الغضب الشعبي قبل أن يتحول إلى كلفة انتخابية مباشرة.
فالأحزاب تعرف أن الناخب لا يدخل إلى التفاصيل التقنية للدعم. ما يتذكره هو ثمن الكيلوغرام من اللحم، وتكاليف المعيشة، والإحساس بأن المال العام لم يغير واقعه اليومي.
لذلك، قد يكون انخراط جزء من الأغلبية في هذا المسار، إن تأكد رسميا، محاولة للقول إن الرقابة لا تخص المعارضة وحدها، وإن الدفاع عن الحكومة لا يعني تجاهل أسئلة الشارع.
لكن إلى حدود الآن، يبقى هذا الاحتمال في خانة المشاورات والتسريبات، لا في خانة القرار المؤسسي المعلن.
المعارضة تجد زاوية قوية
من جهتها، تدرك المعارضة أن ملف دعم المواشي يحمل عناصر سياسية قوية.
فهو ملف اجتماعي بامتياز، لأنه مرتبط بأسعار اللحوم. وهو ملف مالي، لأنه يتعلق بالدعم العمومي. وهو ملف انتخابي، لأنه يمس صورة الحكومة في تدبير القدرة الشرائية.
لهذا، فإن المطالبة بلجنة تقصي الحقائق تمنح المعارضة فرصة للضغط من موقع يبدو مقنعا للرأي العام: لا نريد السجال فقط، بل نريد معرفة أين ذهب المال العام وما أثره الحقيقي.
وإذا تعثرت اللجنة مرة أخرى بسبب الحسابات العددية، فقد تستثمر المعارضة ذلك سياسيا بالقول إن الأغلبية لا تريد فتح الملف. أما إذا تشكلت، فستكون الحكومة مطالبة بتقديم معطيات دقيقة ومفصلة أمام مؤسسة رقابية.
في الحالتين، يتحول الملف إلى ورقة ضغط انتخابية لا يمكن تجاهلها.
ماذا ستبحث اللجنة إذا تشكلت؟
إذا رأت لجنة تقصي الحقائق النور، فمن المنتظر أن تطرح أسئلة دقيقة حول مسار الدعم منذ اتخاذ القرار إلى غاية وصول المواشي المستوردة إلى السوق.
ومن بين الأسئلة التي قد تكون في صلب عملها:
من استفاد من الدعم؟ ما معايير اختيار المستفيدين؟ كم بلغ حجم الدعم المرصود؟ ما عدد الرؤوس المستوردة؟ هل تم احترام الأهداف المعلنة؟ وهل انعكس الدعم على الأسعار النهائية التي يؤديها المواطن؟
كما سيكون من المهم فحص حلقات الوساطة والتوزيع، لأن الدعم قد يكون موجودا في البداية، لكنه يفقد أثره عندما لا تكون المراقبة صارمة على امتداد السلسلة.
فالمشكل في مثل هذه الملفات لا يكون دائما في القرار نفسه، بل في طريقة التنفيذ، وفي قدرة الدولة على تتبع أثر كل درهم صرفته.
الخوف من الكلفة السياسية
كلما اقتربت الانتخابات، تصبح الملفات الاجتماعية أكثر حساسية.
والأغلبية الحكومية تعرف أن الدفاع عن الحصيلة لا يتم بالبلاغات فقط، بل بالقدرة على إقناع الناس بأن السياسات العمومية كانت مفيدة لهم.
في ملف اللحوم، تبدو المهمة صعبة. لأن المواطن لا يرى الدعم، بل يرى السعر. ولا يسمع كثيرا عن الاعتمادات المالية، بل يلمس أثرها أو غياب أثرها في حياته اليومية.
لذلك، فإن لجنة تقصي الحقائق، إن تشكلت، قد تتحول إلى ساحة سياسية مفتوحة: الحكومة ستدافع عن اختياراتها، والمعارضة ستبحث عن مكامن الخلل، والأغلبية ستحاول الموازنة بين حماية الحصيلة وتخفيف الضغط الشعبي.
لجنة تقصي أم تنفيس سياسي؟
السؤال الأعمق هو: هل نحن أمام رغبة حقيقية في المحاسبة، أم أمام محاولة لامتصاص غضب انتخابي قادم؟
الجواب سيتضح من خلال المسار. فإذا تشكلت اللجنة بصلاحيات واضحة، واشتغلت على الوثائق والأرقام والاستماع للمسؤولين والمستفيدين، فقد تكون خطوة مهمة في تكريس الرقابة.
أما إذا بقي الأمر في مستوى التسريبات، أو تحول إلى سجال بلا نتائج، فسيكون الملف مجرد ورقة سياسية جديدة تضاف إلى ملفات كثيرة لم تصل إلى الخلاصات المنتظرة.
المواطن، في النهاية، لا ينتظر لجنة من أجل اللجنة. ينتظر جوابا واضحا: هل صرف المال العام بطريقة سليمة؟ وهل حقق الدعم هدفه؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا لم يصل أثره إلى السوق؟
ملف دعم استيراد المواشي يعود اليوم في لحظة سياسية دقيقة. فاقتراب الانتخابات التشريعية يجعل الأغلبية أكثر حساسية تجاه الملفات التي تمس القدرة الشرائية، ويمنح المعارضة فرصة لتصعيد الرقابة والضغط.
لكن قوة الموضوع لا تعني أن تشكيل لجنة تقصي الحقائق أصبح أمرا محسوما. ما زال الأمر يحتاج إلى تأكيد رسمي، وإلى توفر النصاب القانوني، وإلى وضوح مواقف الفرق البرلمانية.
ومع ذلك، فإن عودة الملف بهذا الزخم تكشف شيئا أساسيا: دعم المواشي لم يعد مجرد قرار حكومي سابق، بل صار اختبارا سياسيا للأغلبية، وسؤالا انتخابيا مفتوحا حول المال العام، والأسعار، وثقة المواطنين في جدوى السياسات الحكومية.

