بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في خضم التحولات العميقة التي تعيد رسم موازين القوى في منطقة الساحل، يتحرك النظام العسكري الجزائري الجزائر على إيقاع دبلوماسية استعجالية توحي أكثر بمحاولة الهروب إلى الأمام منها ببناء استراتيجية متماسكة. فالتقارب المتسارع مع النيجر لا يعكس فقط رغبة في إصلاح العلاقات الثنائية، بل يكشف عن حاجة ملحّة لفتح متنفس سياسي يخفف من حدة العزلة التي أخذت تخنق الدور الجزائري في محيطه الأفريقي.
لقد تآكلت أوراق النفوذ التقليدية التي اعتمد عليها النظام العسكري الجزائري لعقود، ولم تعد مقاربته القائمة على الإرث التاريخي أو الخطاب السياسي كافية لإقناع شركاء الأمس. دول الساحل، وعلى رأسها النيجر، باتت تتحرك بمنطق جديد، تحكمه البراغماتية وتعدد الشركاء، في بيئة لم تعد تعترف بالوصاية ولا تمنح الامتيازات المجانية.
في هذا السياق، تبدو العروض الاقتصادية التي تطرحها الجزائر خصوصًا في مجالي الطاقة والبنية التحتية محاولات لتعويض فراغ استراتيجي أعمق. غير أن هذه المبادرات، مهما بلغ حجمها، تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعّم برؤية سياسية واضحة وقدرة حقيقية على الإسهام في استقرار المنطقة. فالأزمات المتشابكة التي تضرب الساحل تتطلب مقاربات شاملة، تتجاوز الحلول الظرفية إلى بناء شراكات قائمة على الثقة والمصداقية.
الأكثر إرباكًا هو التناقض بين الخطاب الأمني المعلن والممارسات التي تثير كثيرًا من الجدل. فبينما تُقدّم الجزائر نفسها كفاعل محوري في مكافحة الإرهاب، تستمر الشكوك في التداول حول طبيعة علاقتها ببعض الفاعلين المسلحين في المنطقة، وهو ما يضعف صورتها كشريك موثوق ويقوّض أي محاولة لقيادة جهود الاستقرار. هذه الازدواجية تعمّق أزمة الثقة وتدفع دول الساحل إلى البحث عن بدائل أكثر وضوحًا.
التحرك نحو نيامي، إذن، ليس إلا تعبيرًا عن مرحلة انتقالية صعبة، تحاول فيها الجزائر ترميم ما تصدّع، دون أن تنجح بعد في إعادة تعريف دورها وفق معطيات جديدة. فبدل أن تكون فاعلًا مبادرًا، أصبحت تتصرف تحت ضغط التحولات، تسابق الزمن للحفاظ على ما تبقى من نفوذها في منطقة تتغير ملامحها بسرعة.
في المقابل، يبرز نموذج مغاير في القارة، قائم على منطق التنمية والاستثمار وبناء الشراكات المتكافئة، حيث أثبتت التجربة المغربية في أفريقيا أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالشعارات ولا بالمقاربات الأمنية الضيقة، بل عبر مشاريع ملموسة تعود بالنفع المباشر على الشعوب وتعزز الاستقرار من جذوره. هذا المسار التنموي، الذي يراكم الثقة ويؤسس لحضور مستدام، يظل بعيد المنال عن مقاربة يغلب عليها منطق الظرفية، ويكرّس في النهاية صورة فاعل لا يزال أسير حسابات الماضي ومنطق “ها أنا… شوفوني”.


التعاليق (0)